فهرس الكتاب
والأحمق أو المغفل سطحي بليد، وهو سريع الإجابة دون تركيز، صريح ومباشر إلى أبعد الحدود، حتى قيل:"لا يقول الحق إلا أحمق أو صبي، فهو لا يملك القدرة على إخفاء نواياه ومقاصده، يقول ما في نفسه دون مراعاة لظروف المكان أو الوقت الذي هو فيه، ولا يراعي مشاعر الآخرين، بل يتصرّف وكأن أحدًا لا يراه أو يسمعه، فهو يعيش في شبه عزلة شعورية في عالمه الخاص به دون اكتراث بالآخرين. وهو لا يرى نفسه ولا يرى أفعاله، ولا يسمع أقواله كما يراها أو يسمعها الآخرون، الذين يضخِّمونها ويبالغون في تصوّرها للضحك. كما أن الحمقى والمغفلين عند ابن الجوزي متسامحون وطيبون، غير أشرار، فهم لا ينزعجون من الضحك عليهم ولا يتشنجون ولا يغضبون ولا ينتقمون ممن يضحك منهم. وهم بالطبع لا يضحكون، لأنهم لا يعرفون حمقهم أو غفلتهم، ولا يعرفون أن فعلهم أو قولهم في ذلك الموقف كان مضحكًا. وهم يقبلون النصح والتوجيه في الغالب، فيما يحرص الآخرون الأسوياء على عدم نصحهم أو توجيههم، والتعامل معهم بأدب واحترام، دون إخلال في العلاقة، ليبقوهم في حمقهم أو غفلتهم، فيضحكون منهم، في عملية تواصل دون انقطاع. والأحمق أو المغفل لا يثير الشفقة كما يثيرها المجنون، لذلك فإن الأسوياء والعقلاء لا يضحكون من أفعال المجنون المخالفة للعقل والمنطق لأنه مثير للشفقة، ولكنهم بلا شك يمنعون في الضحك من فعل أو قول الأحمق لأنه لا يثير شفقتهم، فالشفقة تنفي الضحك."