فهرس الكتاب
وعندما ماتت الجارية (بستان) -وكان يحبها- بكاها بقصيدة بديعة وصل عدد أبياتها إلى مئة وخمسة وستين بيتًا، جمع فيها كل معاني الجمال والطهر والعفة، لذا فإن قبرها أفضل مكان يحج إليه العاشقون ويعتمرون فيه، ويوم القيامة ستشفع لها الحوريات في الجنة لأنها واحدة منهن كما يقول ( [32] ) : ... ومن عَفافٍ يَفي بِمُسْتَترِ
لم تَخْلُ من منظرٍ تُشَوِّقُه
ما برزت للخَنَا ولا استترتْ ... من عَجَرٍ شانَها ولا بَجَر
إن ثَرىً ضَمَّها لأَفْضَلُ مَحْـ ... ـجوجٍ لِصَبٍّ وخيرُ مُعْتَمَر
وقد يُعَزِّي الفؤادَ أنكِ في ... جنةِ عَدْنٍ غدًا وفي نَهَر
سيشفَعُ الحُورُ فيكِ أنكِ مِنْـ ... ـهنّ بذاكَ الدلالِ والخَفَر
لكن الثابت في وصفه للمرأة -في حالتي كرهه أو محبته لها- أنه لا يستطيع تخيلها بعيدة عن الطبيعة، بل يراها جزءًا منها، أو أن الطبيعة حلّت فيها أو تحولت إليها، حتى الحوريات في الجنة امتزجن بالطبيعة، ووُصِفن من خلالها؛ ففي إحدى قصائده التي يصف فيها الزهاد -وما سيلقونه في الجنان يوم القيامة من نعيم- يتعرض للحورية، ويصف جمالها الأخاذ؛ فخدها مشرق ناعم لو مشى الذَّر عليه لجرحه، تلوح غرتها البيضاء كالبرق بين السحاب، ولو رأى البدر بياضها وضياءها لذل وهان، ثم يصف إقبالها على المؤمن التقي، وتشوقها إليه، ويُحيل مشهد اللقاء بين التقي والحورية إلى عرس للطبيعة التي تعرض مفاتنها لهما من خلال رياضها وتغني طيورها ونفحات نسائمها، وكل هذا ثمن للدموع التي سفحها ذلك التقي في الدنيا، ولحرمانه من لذائذها ( [33] ) : ... لو مشَى الذَّرُّ عليه لجُرِحْ
زانها اللهُ بخدٍّ مُشْرِقٍ
لو بَدَتْ غُرَّتُها من خِدْرِها ... قلتَ بَرْقٌ في ذُرا المُزْنِ لَمَح
أو رآها البدرُ في مطلعِه ... لاكتسى ذُلاًّ وهَوْنًا وافْتَضَح
فاز من عاطَتْ يداها يَدَه ... عانقَ الراحَ بكأسٍ وقَدَح
وهما في روضةٍ عَدْنِيَّةٍ ... يَفْسَحُ الطَّرْفُ مداها ما انفسح