فهرس الكتاب

الصفحة 19875 من 23694

تتغنى الطيرُ في حافَاتها ... بلُحُونٍ تَدَعُ القلبَ فَرِح

ونسيمُ الريحِ يُهدي لهما ... نفحاتِ الوردِ من تلك الفُسَح

عُوِّضَتْ عيناهما قُرَّتَها ... ثمنَ الدمعِ الذي كان سُفِح

ولعل التقي الذي ورد في هذه القصيدة هو ابن الرومي نفسه، ولكن من خلال أمنياته وأحلامه، بعد أن حُرم المرأة في الدنيا، للأسباب التي أشرنا إليها، فلم يجد تعويضًا لحرمانه منها سوى تمنية النفس بلقاء امرأة في الجنة أجمل من نساء الدنيا، لا تنفر منه، مهما كانت أحواله، بل تنتظر لقاءه بصبر نافد وشوق عارم، في أحضان طبيعة فيها كل ما تشتهيه نفسه من جمال وغناء. لكنه لم يستطع أن يتخيل الحورية في النهاية إلا امرأة تبعث على التشهي واللذة، وإن كانت هذه اللذة حلالًا، فقال يصف الأتقياء وقد عادوا إلى غرفهم في الجنة ( [34] ) : ... من بنات النعيمِ فٌقْنَ الحِسانا

ثم آبوا فاستقبلتهم حِسانٌ

فتراهنّ مُقْبلاتٍ عليهم ... بابتهاجٍ قد عَصْفَروا الألوانا

راشفاتٍ أفواههم رَشْفَكَ الما ... ءَ إذا ما شربتَه ظمآنا

وتَحَوَّلَ شبقُه إلى الطبيعة بعد أن عجز عن تحقيق ما يريد مع المرأة، فرأى في الطبيعة أنثى كاملة الصفات، وإن كانت أنثى تتبرج في زينتها وتتصدى للرجال، ولا سيما في فصل الربيع ( [35] ) :

تَبَرَّجَتْ بعد حيَاءٍ وخَفَرْ

تَبَرُّجَ الأنثى تَصَدَّتْ للذَّكَرْ

لكن هذه الطبيعة أفضل حالًا من المرأة، فالمرأة عنده فاجرة في ظاهرها وباطنها معًا؛ فهي تتزين لتوقع بالرجال، أما الطبيعة فزينتها خارجية فحسب، لأنها طاهرة من الداخل، تفتح أحضانها لكل من يبحث عن الراحة والسعادة والهدوء والجمال، سواء أكان يبحث عن المنفعة واللذة، أم عن الجمال الخالص، على عكس المرأة التي لا تبحث إلا عن اللذة والمتعة. يقول في وصف الطبيعة ( [36] ) : ... هي في عِفَّةِ الحَصانِ الرَّزانِ

فهْي في زينةِ البَغِيِّ ولكنْ

* أستاذ مساعد في كلية الآداب بجامعة حلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت