فهرس الكتاب

الصفحة 19878 من 23694

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 91 - السنة الثالثة والعشرون - أيلول"سبتمبر"2003 - رجب 1424

فهرس العدد

لكن هذه النظرة إلى الطبيعة كانت عارضة عنده، ولعله قصد بها المرأة التي تحبه، لأنها قرنها بالعفة والطهر، وما عدا ذلك لم تكن الطبيعة في نظره إلا أنثى تتبرج، متسلحة بأسلحة شتى من ثمار وألوان وعطور لإغراء الرجال واستمالة قلوبهم، مثلما تفعل المرأة عندما تتزين، إنه بهذا الفهم للطبيعة يخلط حسه الفني بحسه الجنسي، ولا يرى في الطبيعة إلا امرأة تتزين لمواصلة الرجال، وكل ما في هذه الطبيعة يشبه المرأة؛ فالوجه بدر وشمس، والخدودُ تفاحٌ، والشَّعرُ عِنَبٌ مُتَهَدِّلٌ، والقامةُ غصنٌ، والردف كثيب، والنهودُ رمانٌ، والريقُ شَهْدٌ.. لقد غدت الطبيعة لديه بحق (( امرأة في حالة إقبال على الجنس، والمرأة طبيعة في تألقها بالزينة والطيب ) ) ( [1] ) ، حتى لَيُخَيِّلَ إليه شبقُه وطولُ حرمانه أن الروضة التي لم يَطْرُقْها أحد من قبل عذراءُ في أوْج شبابها ونشاطها، تتزين بأجمل ثيابها لِتُؤْنس عشاقها، وتبدّد بجمالها المشرق حنَادِسَ الظلام ( [2] ) .

لَهَوْتُ عن وصْفِ الطُّلولِ الدَّارِسَهْ

بروضةٍ عَذْراءَ غيرِ عانِسه

جادتْ لها كُلُّ سماءٍ راجِسه

رائحةٍ بالغَيْثِ أو مُغالِسه

فأصبحتْ مِنْ كُلِّ وَشْيِ لابِسه

كأنها مَعشوقةٌ مُؤَانِسه

تكادُ تحت الظُّلُماتِ الدَّامِسه

تَهْوي إليها كُلُّ كَف قابسه

وهذه الروضة تتخايل في أبرادها كما تتخايل الفتاة في أثوابها الجديدة الزاهية، وبروائحها العطرة التي تذكّره بروائح الأولاد الطيبين ( [3] ) : ... خُيَلاءَ الفتاةِ في الأبْرادِ

ورياضٍ تَخَايَلُ الأرضُ فيها

منظرٌ مُعجبٌ تحيَّةُ أنْفٍ ... ريحُها ريحُ طَيِّبِ الأولاد

مَسْمَعٌ مُطرِبٌ إذا شئتَ مُلْهٍ ... لك عن كلِّ طارِفٍ وتِلاد

تتداعَى بها حمائمُ شتى ... كالبواكي وكالقيان الشَّوادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت