فهرس الكتاب
مِنْ مَثانٍ مُمَتِّعاتِ قِرانٍ ... وفِرادٍ مُفَجِّعاتٍ وُحاد
إنه إحساس غامض يشده إلى رائحة الروضة، ويجعله يرى في تلك الرائحة روائح الأولاد الطيبين. وكيف تكون روائحهم؟ إنه إحساس غريب سببه حزنٌ عميق على أولاده الثلاثة الذين ماتوا صغارًا واحدًا تلو الآخر ( [4] ) ، وما تزال روائحهم الطيبة في أنفه لم تختلط بعرق العمل والتعب، إنها رائحة خاصة لا يعرفها إلا الأهل الذين حُرِموا أولادهم صغارًا. لقد غدت الطبيعة عنده تجسيدًا لكل ما فقده في حياته أو حُرِمَ منه من نساء وأولاد، لكن الطبيعة أكرم من المرأة ومن زمانه، لأنها لا تصده عن ملامستها متى شاء، ولا تنفر منه مثلما نفرت المرأة منه، بل يجدها في انتظاره متى أراد لقاءها، إنها باختصار فتاته التي ترضى به ولا تنفر منه، فإذا كان الضعفُ الجنسي والأمراضُ والموتُ -الذي أخذ أولاده وزوجته منه-عوائق منعته من تحقيق ما يريد فإن الطبيعة فتحت له ذراعيها لِيَعُبَّ من وصالها كما يشاء، بلا صد أو رفض أو ممانعة، راضيةً به في جميع أحواله. ... زَمانًا طَوَى شَرْخَ الشبابِ فَوَدَّعا
وفي هذه القصيدة عرض ابن الرومي (( للحب والطرب والأبوة. وفي النهاية عرض للزواج والاقتران ) ) ( [5] ) ، وكلها أشياء حرم منها، وما تزال تراوده في اليقظة والمنام.