فهرس الكتاب

الصفحة 19880 من 23694

ويبكي ابن الرومي شبابه الضائع -وما فقده بسببه من ملذات تأتي المرأة في مقدمتها- بقصيدة بديعة قلَّ نظيرها في تاريخ الشعر العربي، من خلال مشهدين طبيعيين رائعين؛ أولهما مشهد الشمس الآفلة التي حان موعد غروبها، فودعت الدنيا والكائنات الحية لتقضي نحبها، بين بكاء تلك الكائنات وحزنها على فراقها، وثانيهما مشهد الطائر الصريع الذي سقط في شباك الصياد فيما كان يبحث عن طعامه وهو وسط جماعته من الطير. يريد ابن الرومي أن يقول في هذه القصيدة البديعة إن الشباب رحل ولن يعود مثلما رحلت تلك الشمس فرحل معها يوم لن يعود مرة أخرى، ومثلما مات ذلك الطائر ولن يعود إلى الحياة، أو إلى حريته وسط أقرانه. وقد افتتح القصيدة بالبكاء على الشباب:

بكيتَ فلم تَتْرُكْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعا

ثم يبدأ بتوضيح حزنه على فقد الشباب من خلال مشهد الشمس الآفلة، فيقول: ... على الأفُقِ الغربيِّ وَرْسًا مُذَعْذَعا

إذا رَنَّقَتْ شَمْسُ الأصيلِ ونَفَّضَتْ

ووَدَّعَتِ الدُّنيا لِتَقْضِيَ نَحْبَها ... وشَوَّلَ باقي عُمْرِها فَتَشَعْشَعَا

ولاحَظَتِ النُّوَّارَ وهْي مَريضةٌ ... وقد وَضَعَتْ خَدًَّا إلى الأرضِ أَضْرَعا

كما لاحظتْ عُوَّادَهُ عَيْنُ مُدْنَفٍ ... تَوَجَّعَ مِنْ أَوْصَابِهِ ما تَوَجَّعا

وظلتْ عُيونُ النَّوْرِ تَخْضَلُّ بالنَّدَى ... كما اغْرَوْرَقَتْ عينُ الشَّجِيِّ لِتَدْمَعا

يُراعِيْنَها صُوْرًا إليها رَوانِيًا ... ويَلْحَظْنَ ألحاظًا مِنَ الشَّجْوِ خُشَّعا

وبَيَّنَ إِغْضاءُ الفراقِ عليهما ... كأنهما خِلًا صَفاءٍ تودعا ( [6] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت