فهرس الكتاب

الصفحة 19881 من 23694

فهو يرسم منظرًا رائعًا للغروب، حيث لم يبق من عمر الشمس إلا القليل، ومال لونها إلى الاصفرار وكأنها أمسكت بيدها ورسًا أحمر مصفرًّا ونثرته على الأفق، ومضت مودعة الدنيا والكائنات الحية، لكن تلك الكائنات حزنت لفراقها، ولا سيما النوار، تلك الزهرة البيضاء الرقيقة التي آلمها الفراق، فانحنت ووضعت خدها على الأرض متضرعة إلى الشمس ألا تغيب، مثلما يتضرع المريض إلى زواره لئلا يتركوه وحيدًا مع أحزانه، وكأنه يستمد الشفاء من بقائهم معه، وتحول الجو إلى مأتم حقيقي إذ راحت زهور النوار تبكي بحزن على فراق الشمس، وامتلأت محاجرها بالندى كما تمتلئ عيون الحزين المهموم بالدمع، وظلت هذه الزهور تراقب الشمس وتتجه نحوها مودعةً إياها بألحاظ حزينة خاشعة، وقد ظهرت آثار الفراق على الشمس والنوار وكأنهما خلان متصافيان جمعتهما المودة والمحبة دهرًا ثم افترقا. وهذا المشهد بديع حقًا، لأن الشاعر لجأ إلى تشخيص الطبيعة وإخراج ما بداخله من مشاعر الحزن العميق على الشباب؛ فقد أقام علاقة إنسانية بين الشمس والكائنات الحية ولا سيما النوار، وجعلهما إنسانين يستجيبان للمحبة ويتجرعان غصص الفراق، لكن ابن الرومي لم يستطع أن ينسى ولو للحظة واحدة أن الطبيعة امرأة، فقد شخص الشمس وهي أنثى، واستفاد من هذا التأنيث في جعلها امرأة تفيض محبة وحنانًا على الكائنات كلها، وجعل تلك الكائنات تحزن على رحيلها، ثم شخص زهر النور الأبيض، فجعله يبكي على فراق الشمس، وجعل الشمس تحزن على فراقه، وكأنهما خلا صفاء جمعهما الحب دهرًا، ثم فرق بينهما من جديد. ... فيهن نوعانِ تفاحٌ ورمانُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت