فهرس الكتاب
وفي هذا المشهد يجمع ابن الرومي كل عناصر الحزن والفجيعة على شبابه الراحل؛ من مشاعر حزينة أقامها بين الشمس الراحلة والكائنات الحية ولا سيما النوار، وألوانٍ صفرٍ تجلت في لون الشمس المصفّر عندما تميل إلى الغروب، وفي لون الورس الأحمر المصفّر، وفي لون المرض الذي أصاب النوار وذلك المُدّنف، وفي مفردات الحزن التي حشدها في هذا النص مثل (ودعت، نَحبْهَا، مريضة، أضرعا، عُوَّاده، مُدْنَف، توجَّع، أوصابِه، تخضلُّ بالندى، اغرورقت، الشجِي، لتدمعا، الشجْو، خُشَّعا، إغضاء الفراق، تودَّعا) ، وكل ما في هذا المشهد حزين؛ وداعٌ ودموعٌ وحزنٌ واصفرارٌ وانكسارٌ وتضرُّعٌ. وزاد فيه الشاعر بأن جعل رويَّ القصيدة حرف العين الموصولة بألف (عا) ، وكأنه يصرخ في وادي الحياة بأعلى صوته ليعيد إليه شبابه الراحل، وملذاته الضائعة، فلا يسمع إلا الصدى. وابن الرومي في هذه القصيدة هو زهر النوار الذي فقد الشمس، ففقد بذلك يومًا لن يعود، وحياة جميلة لن ترجع، وشبابُه هو الشمس التي أضاءت حياته لفترة قصيرة كما تضيء الدنيا في النهار، لكنها سرعان ما تغيب ليحل ظلام العجز والضعف والحرمان من جديد.
وله قصيدة مشهورة جدًا تعرف بـ (دار البطيخ) لكثرة ما فيها من ثمار ورياحين، مدح فيها أحد الوزراء، وقد بدأ هذا المديح بمقدمة غزلية تتألف من اثنين وثلاثين بيتًا، مزج فيها المرأة بالطبيعة مزجًا عجيبًا ضاعت فيه الحدود والقسمات، يقول فيها ( [7] ) :
أجْنَتْ لكَ الوجدَ أغصانٌ وكُثْبانُ
وفوق ذَيْنكَ أعتابٌ مُهَدَّلَةٌ ... سودٌ لهن من الظَّلماءِ ألوان
وتحت هاتيكَ عُنّابٌ تلوحُ به ... أطرافُهن قلوبُ القومِ قِنْوان
غصونُ بانٍ عليها الدهرَ فاكهةٌ ... وما الفواكِهُ مما يحملُ البان
أُلِّفْنَ من كلِّ شيءٍ طيّبٍ حَسَنٍ ... فهن فاكهةٌ شتّى وريحان
تجاورتْ في غصونٍ لَسْنَ من شجرٍ ... لكنْ غصونٌ لها وصلٌ وهِجران
تلك الغصونُ اللواتي في أَكِمَّتِها ... نُعْمٌ وبُؤْسٌ وأفراحٌ وأحزان