فهرس الكتاب

الصفحة 1988 من 23694

والشهرة في الحياة تكون دائمًا نتيجة للتفوق في شيء منحه الله للإنسان، خصه به بين باقي بني جنسه؛ فقد كانت شهرة عائشة بنت طلحة بالفضل والجمال والفصاحة، وكانت شهرة سكينة بنت الحسين بالجمال والفصاحة والأدب، وخصها الله بإحساس فني جعلها تميز فيه بين قول شاعر وشاعر، وتحكم لبعضهم بالتفوق ولآخر بالتخلف. وكذلك امتازت أسماء بنت أبي بكر بالجزالة ورباطة الجأش، والدمغ بالحجة القوية، ورجاحة التفكير في المواقف الصعبة التي تتزعزع فيها إرادة الإنسان، ويفلت من يده زمام تفكيره. هذه المزايا التي ذكرها التاريخ للنساء الشهيرات أبرزها ابن عساكر بقوة حين عرض علينا ما قرأه وسمعه وحفظه؛ ولم يبين لنا رأيه في كل ما سمعه وقرأه وحفظه، بل تركنا أمام الماضي كله لنقول ما نشاء، بل لنفهم كل شيء على حقيقته، ومن بعد ذلك يكون قولنا مستمدًا من واقع الأخبار والآثار. كان ابن عساكر شيخ المؤرخين والموسوعة الكبيرة التي استوعبت كل شيء فلم يعطنا قولًا ولكنه أعطانا كل ما قيل، ولم يقدم لنا رأيًا ولكنه ترك لنا الحرية في أن نرى ما نشاء، وكأنه كان يقول: هذا المتن وهذا السند فانظروا في أحوال الرجال، واحكموا على صحة الخبر.

وانطلاقًا من هذه النزاهة العلمية، والروح المحايدة في عرض الأخبار وتصنيفها ترجم ابن عساكر"سلامة القس"، و"عريب المأمونية"، فقد قيل إنهما مرتا بدمشق، إننا نذكر بامتنان ابن عساكر حين نقرأ لعريب هذا الشعر الكثير الذي حال ضياع المصنفات العربية بينه وبين الوصول إلينا. كل الذي روته لنا الكتب المعروفة من أخبار عريب كان نتفًا قد يضم بعضها أبياتًا قليلة من الشعر. وقد شفى غليلنا ابن عساكر حين روى لنا من غزلها ووصفها ومديحها قصائد نفيسة قرأها في كتب لعل حوادث الأيام، وما ألم بالأمة العربية من إحن قد جعلها أثرًا بعد عين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت