فهرس الكتاب

الصفحة 19915 من 23694

سبقت الإشارة إلى أن البديع يسند مقاماته إلى عيسى بن هشام، وبطولة حكاياته إلى أبي الفتح الإسكندري. هذا الجانب الإسنادي يشير ضمنًا إلى اشتباك المقامة من جهة سردها بفنون عدة، منها فن الحديث النبوي، ومنها الخبر التاريخي، وفن الحكاية الشعبية، فهذا التشابك يوقع المقامة على محيط مربع دائري، فهي من جهة أدبُ حكايةٍ صرف، ومن جهة ثانية تقتفي القرآن بالعنوان، ومن جهة ثالثة تأخذ شيئًا من سمت الحديث، ومن جهة رابعة تقتفي التاريخ.. فأين تضع المقامة لو أردت النظر إليها من جهة طبيعتها الفنية: الشكلية والسردية؟‍‍‍‍‍‍

إذا نظرت إلى الإسناد من جهة الحديث حضرت إليك قواعد السند وشروط الضبط والعدالة التي اشترطها المحدثون لرواية الحديث . فإذا وجدت الشخصية مجهولة سقطت روايتها، ولكن ماقيمة الخبر الذي تَحَمَّلَهُ عيسى بن هشام ديانةً؟!! وماذا يترتب على متلقيه من واجبات شرعية؟!! وما حاجتك لمعرفة حواسه وسلامتها إذا كان مايرويه ليس دينًا؟!! فكأنه يهزأ بالإسناد سرًا وخفية، ويظهره للناس بغية المحاكاة المثيرة للابتسام، فإذا كان المحدثون يسقطون رواية المجهول فإن بديع الزمان في الأدب يجيزها، ويسند حكاية الحدث، أو الفعل السردي إلى عيسى بن هشام، ليكف عن نفسه تهمة الكذب، أو شهادة الزور، فمن أراد أن يُكَذِّبَ الخبر أو يتحقق من صحة وقوعه فعليه مساءلة عيسى بن هشام، فإذا لم يجد له سجلًا في الأحوال الشخصية، فقد بلع حبة الدواء فصدق شيئًا محتمل الوقوع ومحتمل الدفوع، وهو بذلك يوقع غامزًا ولامزًا بالرواية الشفوية التي لم تكن تثق بالمكتوب، وتثق بالمروي، حتى ما يعيشه الإنسان صار مفتقرًا إلى إسناد، ومحتاجًا إلى توثيق.

وفي الإسناد شاهد سامع مما يدعو إلى قبول الخبر، ولو كان بعيد الوقوع فما قولك إذا كان مما يقع لكثير من أبناء العصر كل يوم من أيام حياتهم؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت