فهرس الكتاب

الصفحة 19916 من 23694

والإسناد إلى معلوم انتقال بسند الحكايات من الإسناد إلى مجهول مما يزيد الثقة بها، ويخرجها من عنق الوهم إلى حيز الممكن والمعقول والمحتمل.

والجانب التاريخي في الإسناد يعود إلى أن الرواية التي تحكيها المقامة هي واقعة من حياة الناس في العصر العباسي تفتقر إلى شهود تحكيها على طريقة المؤرخين في اتباعهم حركة المحدثين بإثبات الإسناد ليكون ذلك عونًا لهم على قبول متلقيه على أنه واقع تاريخي عاشه الناس، لا خيالًا صنعه الأدباء بأخيلتهم، ولوَّنوه بأقلامهم، وما تشتهيه أنفسهم.

فكأن الجانب التاريخي أوجب عليه الإسناد، أو أن مضاهاة المؤرخين والمحدثين كانت شهوة لديه ليجعل عمله يحفظ الصورة الشكلية للأخبار المروية حديثًا كانت أو تاريخًا أو أدبًا سرديًا يرقى في صدقه وحجته إلى مستوى الدين والتاريخ، على عمقه الفني والتعليمي.

إن الإسناد نفسه يجعل المقامة جنسًا أدبيًا يقاطع أجناسًا أخرى من فنون الأدب القديم كفن الحديث، وفن الخبر التاريخي، وفن الحكايات المروية القائمة على الأساطير والخرافات البعيدة والمستحيلة عقلًا ونقلًا.. لكنها لا تطابق شيئًا من هذا مطابقة تامة. ولا يُدخلها سردها عوالم الفن القصصي إلا بشيء من المجاز، لأن القصص الفني له مواصفات متطورة ومتغيرة، وله أجناس كثيرة، ولا يُدخلها ما فيها من حوار فن المسرحية، ولا المشاهد الحية والمتحركة بمدخلة لها في فن المسرح، ولا تدخل فن الخاطرة ولو أنها حملت هواجس الأبطال وخواطرهم أحيانًا.

إنها جنس أدبي متفرد نبت في العصر العباسي، ثم عاد في القرن العشرين على استحياء، وذلك في طور استلهام حركة إحياء التراث العربي في عصور القوة، وخير تعريف لها ما قاله الأديب توفيق الحكيم، على ما أثبتناه آنفًا من اعتراض على وصفه بالفن القصصي، وذلك إذ يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت