فهرس الكتاب
"والمقامات أعمال قصصية، قصد بها سردُ حكاية وتصوير أشخاص، ولكن الإغراق في الوشي اللفظي، والاحتفال بالوضع اللغوي -صرف هم الكاتب عن التعمق في التحليل، والإضافة في السرد، والإجادة في البناء." (17)
وسيكون لنا عودة على بعض مكونات هذا التعريف لبيان معانيه، وندع رأي الرجل له، ونثبت ما يتبين لنا بالبحث في القراءة من تهيئةٍ مسبقة.
* زمانها ومكانها:
لعل إعادة القول في وظائف الزمان والمكان في الفن الأدبي عمومًا، والفنون السردية خصوصًا يكون نافعًا، من جهة توكيد المعاني الكلية لتؤلف مدخلًا للمعاني الجزئية، ذلك أن الأعمال السردية كالقصة والرواية والمسرحية والصورة القصصية، والأقصوصة والتمثيلية والحكايات الخرافية أو الأسطورية، وقصص الخيال العلمي..كل فن من هذه الفنون لا يخلو من حدث قصصي، أو فعل قصصي، يزلزل الواقع والمعهود والمعقول للناس.. ولكثرة ما يأتي أهل القص أو السرد بما يجوز الواقع والمعقول تجد بعض الناس إذا أراد أن يطعن في كلام أحد المتكلمين قال لك: فلان يقص عليك، أي لا تحمل كلامه على وجه الجِد، ولا على وجه الحقيقة، ومثل هذا الحدث يواجهه بعض أبناء البادية بقولهم: فلان يسرد، أي يقص ويكذب، وهو ( سرهود ) أي كذوب.
وابتغاء أن يبعد أهل الفنون السردية أو القصصية صفة الكذب عن أعمالهم الإبداعية، اتخذوا وسائل فنية للقص، منها الإسناد، ومنها ربط الفعل القصصي وحوادثه بزمان ومكان، ومجرد ربطهما بالزمان والمكان تتهيأ قاعدة نفسية لقبول العمل القصصي. أو بالقياس إلى الإسناد، وانتسابه إلى زمان معلوم ومكان معلوم، وشهادة الراوي على الحدث والفعل القصصي، واختيار أسماء محددة لأناس يعيشون في الحي الذي يحيا فيه المؤلف، أو يتخيل عيشهم في بيئة أخرى من بيئات المجتمع المحيط به. وذلك كله للتوثيق وتصديق ما يقترن بهذه اللوازم.