فهرس الكتاب
المهم أن جملة الشرط والجواب وما عطف على الجواب جاءت بقوله: (فساقني الحرص إلى ماساقهم، حتى وقفت بمسمعِ صوت رجلٍ، دون مرأى وجهِهِ؛ لشدة الهجمةِ، وفرط الزَّحمةِ، فإذا هو قرَّادٌ يُرقصُ قردَهُ، و يُضحكُ مَن عندَهُ، فرقصتُ رقصَ المحرَّج، وسرتُ سيرَ الأعرج، فوق رقاب الناسِ، يلفظني عاتق هذا لسرة ذاك، حتى افترشتُ لحية رجلين، وقعدت بعد الأينِ، وقد أشرقني الخجلُ بريقهِ، وأرهقني المكان بضيقه، فلما فرغ القرَّاد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمتُ، وقد كساني الدَّهشُ حُلَّتَهُ، ووقفت لأرى صورته، فإذا هو - واللهِ - أبو الفتح الإسكندري.""
كان انتهاؤه إلى مجلسهم سببًا للمشاركة في الموقف والمشهد، والتعب والإرهاق، والمفاجأة لم تقتصر على عامة المترفين بل كانت في صاحبه الذي ترك حرفة الأدب، أو العلم، وأخذ يرقص القرد، ويشد الجمهور إلى أمر تافه.
كانت الجملة ( إذ انتهيت ) بداية الجواب، وكانت مدخلًا للحديث عن رجال المدينة، وقد وجدهم متحلقين لغير مجلس علم،بل كانت حلقتهم حول قرد وقراد،ثم بعد أن وصفهم بالازدحام جعلهم كالمعروفين، فأظهر أحوالهم، كما كان يظهر حاله في القسم الأول من الجملة وبالطريقة نفسها تقريبًا بحفظ الفوارق التفصيلية؛ ذلك أنهم يعيشون حالين هما حال الطرب والفرح أو الخفة، وحال الضحك، على تفاهة الموضوع الذي اجتمعوا له.فعبر عن ذلك بجملتي الحال اللتين يمكن رد كل منهما إلى مفرد، بقوله: ( يلوي الطرب أعناقهم، ويشق الضحك أشداقهم ) والطرب خفة تصيب الإنسان بدواع مختلفة، والضحك طاقة زائدة تريد الخروج والتعبير بها عن مكنون النفس.