فهرس الكتاب
والذي يثير التساؤل في قول براجشتراسر هو فصله الحاد بين المقرئين القدماء، وأهل الأداء والتجويد. وكذلك فصله الحاد بين المقرئين وأهل التجويد من جهة، وبين النحويين من جهة ثانية مع أنّنا نعلم أن أغلب النحويين، القدماء خاصة، كانوا قرّاءً وأهل أداء.
والأستاذ محمد الأنطاكي ينفي إشارة النحاة في كتبهم إلى هذا الجانب عندما يقول:"إنّ قواعد التنغيم في العربية قديمًا مجهولة تمامًا، لأنّ النحاة لم يشيروا إلى شيء من ذلك في كتبهم.." ( [3] ) .
وإن كنّا لا نرى ما يراه الأستاذ الأنطاكي، من أن النحاة لم يشيروا إلى هذه الناحية، فإننا نقول: إنّ عدم إشارة كتب النحاة إلى هذه الظاهرة، لا يعني أنّ الحديث عنها غير موجود في كتب التراث الأخرى، لا سيما تلك المتعلقة بالدرس الصوتي القرآني.. ولكننا قد نتفّق مع الأستاذ الأنطاكي في مسألة أن علماءَنا لم يحددوا قواعد محددةٍ ضمن بحث واحد يجمع قواعد تنغيم العربيّة.
والقسم الثاني من الآراء التي تناولت مسألة التنغيم في التراث، هي آراء لباحثين معاصرين ترى أنّ القدماء أدركوا هذا الجانب، إذ توجد إشارات في كتبهم توحي إلى ذلك، وإنْ لم يكن لها حاكم من القواعد، ومن ممثلي هذا القسم الدكتور أحمد كشك في كتابه"من وظائف الصوت اللغوي"فقد خصص فصلًا في كتابه المذكور لدراسة التنغيم على أنّه ظاهرة نحوية ( [4] ) يقول فيه:"وقدامى العرب، وإنْ لم يربطوا ظاهرة التنغيم بتفسير قضاياهم اللغويّة، وهم وإنْ تاه عنهم تسجيل قواعد لها، فإنّ ذلك لم يمنع من وجود خطرات ذكيّة لمّاحة تعطي إحساسًا عميقًا بأنّ رفض هذه الظاهرة تمامًا أمرٌ غير وارد، وإن لم يكن لها حاكم من القواعد..." ( [5] ) .