فهرس الكتاب
ثم يعرض د. كشك أمثلة تراثيّة تؤيّد ما ذهب إليه، والحقُّ أنّ دراسة الدكتور كشك وإن كانت أفردت لتناول التنغيم من زاوية نحويّة، حيث فسّر بعض الأبواب النحويّة معتمدًا على فهمه للتنغيم، فإنّها تعدّ من الدراسات الرائدة في إطار دراسة التنغيم.
ويذهب الأستاذ عبد الكريم مجاهد في ثنايا حديثه عن الدلالة الصوتيّة والصرفيّة عند ابن جني، إلى أنّ ابن جنّي قد أدرك هذا الجانب ويرى أنه"بذلك يظهر فضل ابن جنّي بجلاء ووضوح، ويثبت أنّه قد طرق باب هذه الموضوعات التي تعتبر من منجزات علم اللغة الحديث، وبذلك تحفظ له أصالته ومساهمته" ( [6] ) .
الملاحظ في قول الأستاذ مجاهد أنّه جعل من التنغيم أحد منجزات علم اللغة الحديث، وهذا أمرٌ مخالفٌ لطبيعة اللغة، إذ لا يمكن أن تكون الظاهرة اللغوية منجزًا يخترع في عصر ما، بل هي نتاج تطوّرٌ زمني طويل، لا يمكن أن يُحدَّ بعصرٍ معين.
فالتنغيم ظاهرة موجودة في اللغة، ثم جاءت اللسانيات الحديثة لتوصّفها. ودليلنا على ذلك أن الحديث عما نسميه حديثًا بـ التنغيم، الذي جعل الأستاذ مجاهد"ابن جني"مساهمًا فيه، موجودٌ عند غير ابن جني، ولا سيما لدى سيبويه ولدى الفلاسفة ( [7] ) ، كما سنلاحظ في (2-5) ، لذلك يمكن القول: إن ظاهرة التنغيم قد شغلت في علم اللسانيات حيّزًا درسيًّا مستقلًا، وأُفردت لها أبحاثٌ خاصّةً بها، ولم تُكتشف أو تُنجز فجأةً، مع الإشارة إلى أنّ الفضل في ذلك يرجع إلى تلك الإرهاصات البحثية التي نجدها عند الأقدمين من علماء العربيّة.