فهرس الكتاب
إنّ إدراك هؤلاء العلماء لارتباط الوقف بالمعنى يندرج ضمن العلاقة بين التنغيم والجملة، وقد أدرك هذه العلاقة بدقّةٍ ابن الجزري عندما تحدّث عن أنواع الوقف الذي يحدد نمط الجملة ومن ثمّ معناها وتنغيمها، عندما تحدّث عن أنواع الوقف بقوله:"إنّ الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري. لأنّه إما أنْ يتمّ أو لا، فإن تمّ كان اختياريًا، وإنْ لم يتم كان الوقف عليه اضطراريًا" ( [32] ) .
ثم يعرض ابن الجزري لأنواع الوقف الاختياري، ويتبع ذلك بتحليل نماذج من القرآن الكريم لأنواع الوقف ( [33] ) ، وهو تحليل ينمُّ عن إدراك دقيق لأهميّة الوقف، يقول:"وليس كلّ ما يتعسّفه بعض المعربين أو يتكلّفه بعض القرّاء أو يتأوله بعضُ أهل الأهواء مما يقتضي وقفًا أو ابتداء ينبغي أن يعتمد الوقف عليه، بل ينبغي تحرّي المعنى الأتمّ والوقف الأوجه وذلك نحو الوقف على (وارحمنا أنت) والابتداء (مولانا فانصرنا) على معنى النداء، ونحو (ثم جاؤوك يحلفون) ثم الابتداء (بالله إن أردنا) ونحو (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك) ثم الابتداء (بالله إنّ الشرك..) على معنى القسم..." ( [34] ) .
نلاحظ إدراك ابن الجزري، بالاعتماد على دلالة تنغيم الجملة، أنّ الوقف يغيّر معنى الجملة أو العبارة، فينقلها من معنى إلى معنى آخر. مما يجعلها تحمل معنى النداء أو معنى القسم، كما لاحظنا في المقبوس السابق، كذلك نلاحظ أنّ الوقف وتنغيم الجملة هو الذي جعل ابن الجزري يرى أن (مولانا) تحمل معنى النداء، ولا دليل على هذا المعنى غير ذلك؛ ولتوضيح مثال ابن الجزري يمكن أن نحلله على النحو الآتي:
تقول الآية: )ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين(/ البقرة: 286/.
آ-الوقف الأوّل حسب فهم ابن الجزري وأثر التنغيم:
"وارحمنا أنت"
الكلام/تحديدي/ ... وقف ... منادى /بلا أداة/