فهرس الكتاب

الصفحة 19994 من 23694

وذكر ابن جني هذه المصطلحات للدلالة على تنغيم الجملة أو طريقة نطقها عائدٌ إلى أنّ كثيرًا من الصفات النطقيّة لا يمكن تقييدها بالكتابة، وقد يكون هذا ما دفع ابن جنّي، مع ما عرف عنه من دقّة في الملاحظة، إلى الحديث عن إدراك سياق الحال وأهميته وأهمية رؤية وجه العربي وجملة حاله حين يتكلّم، إذ إنّ رواية كلامه مجرّدًا عن ذلك قد يُذهِب علينا من مقصوده الشيء الكثير. يقول ابن جنّي:"فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو وابن أبي اسحاق، ويونس وعيسى بن عُمر، والخليل، وسيبويه، وأبو الحسن، وأبو زيد، وخلف الأحمر، والأصمعي، ومَنْ في الطبقة والوقت من علماء البلدين، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها، وتقصد له من أغراضها، ألا تستفيد بتلك المشاهدة، وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات، ولا تضبطه الروايات، فتضطرّ إلى قصود العرب، وغوامض ما في أنفسها، حتّى لو حلف منهم حالف على غرضٍ دلّته عليه إشارة، لا عبارة، لكان عند نفسه وعند جميع من يحضرُ حاله صادقًا فيه، غير متّهم الرأي والنحيزة والعقل. فهذا حديثٌ ما غاب عنّا فلم يُنقل إلينا، وكأنّه حاضر معنا، مناجٍ لنا" ( [6] ) .

يؤكد ابن جني دلالة حال المتكلّم، كما نرى، ودلالة الصوت في إيضاح الدلالة، وهو مَنْ هو في الدقّة والملاحظة، وقد علّق الأستاذ سعيد الأفغاني -رحمه الله- على قول ابن جني هذا بقوله:"ونحن نعرف بركة هذا الغوص في كثير من النصوص التي يختلف فيها العلماء لورودها مجرّدة من الإشارة إلى لهجة المتكلّم أو حاله. ترد الجملة عند العرب فيجعلها بعضهم تقريرًا وبعضهم استفهامًا حُذفت أداته، وبعضهم استفهامًا أُريد به الإنكار والتهكم... الخ ولو ورد مع النّص حال المتكلّم لا نقطع الخلاف" ( [7] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت