فهرس الكتاب
ومن أقوال ابن جني الكثيرة التي تندرج في سياق الفهم الواضح للتنغيم، وإنْ لم يذكر هذا المصطلح، قوله في باب"نقض الأوضاع إذا ضامّها طارئ عليها":"من ذلك لفظ الاستفهام، إذا ضامّه معنى التعجب استحال خبرًا، وذلك قولك: مررت برجلٍ أيّ رجل. فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهمًا. وكذلك مررت برجلٍ أيِّما رجل؛ لأن ما زائدة..." ( [8] ) ثم يقول متابعًا:"ومن ذلك لفظ الواجب، إذا لحقته همزة التقرير عاد نفيًا، وإذا لحقت لفظ النفي عاد إيجابًا. وذلك كقول الله سبحانه: )أأنت قلت للناس ( /المائدة 16/ أي ما قلت لهم، وقوله ) آلله أَذِن لكم ( /يونس 59/ أي لم يأذن لكم. وأما دخولها على النفي فكقوله -عز وجل- ) أَلَسْتُ بربكم ( /الأعراف 172/ أي أنا كذلك..."( [9] ) .
نلاحظ أنه لا وسيلة، عند تضام الاستفهام مع التعجب واستحالته إلى الخبر سوى الوسيلة التنغيميّة، التي تحوّل المعاني، ذات اللفظ الواحد، من معنى إلى آخر. والحقيقة أنّ هذا الأسلوب، أي تحوّل الدلالة للفظ للواحد إلى معانٍ عدة، هو من الأساليب المعروفة والشائعة في العربية، قديمًا وحديثًا، ونقع لمعاني القرآن الكريم. على أمثلة كثيرة جدًا، فبالإضافة إلى ما ذكره ابن جني انظر إلى قوله تعالى: )هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون( /الزمر9/ فهذا الاستفهام لا يحتاج إلى إجابة، وإنما الغرض منه النفي، والسامع يعرف ذلك، ويدركه من تنغيم الجملة وحسب.
لقد نقل التنغيم الجملة من معنى الاستفهام إلى معنى النفي. وهو ما نستخدمه كثيرًا في لغتنا المعاصرة فنقول مثلًا: كيف تعادي أباك!؟. بلفظ الاستفهام ونحن نريد التعجب والإنكار، وهو ما يؤديه تنغيم الجملة.