منذ وطئت أقدامُ المسلمين أرض الأندلس، وهم يعيشون في نزاع دائم مع سكان البلاد الأصليين، وقد ظلت السيوفُ مشرعة بين الفريقين طوال مدة حكم الولاة (1) ، ويطلق اسم عصر الولاة على الفترة التي أعقبت الفتح الإسلامي للأندلس ودامت ستة وأربعين عامًا (92 ـ 138 هـ) . وتبدأ هذه الفترة بطارق بن زياد، ثم بموسى بن نصير، ثم بابنه عبد العزيز، وتنتهي بيوسف الفهري سنة 138 هـ. وقد ولي الأندلس في هذه الفترة اثنان وعشرون واليًا (2) ، فمنهم من كان يُعيّنهم خلفاء بني أمية في دمشق، ومنهم من كان يعيّنهم والي إفريقية في القيروان، وكانوا يختلفون قوةً وضعفًا، واستقامة وانحرافًا. وفي هذه الفترة توغل المسلمون الفاتحون في بلاد إسبانية وفتحوا بلادًا جديدة كبرشلونة (BERCELONE) ، وقشتالة (GASTILLE) ، ثم فتحوا جزءًا من فرنسة بقيادة عبد الرحمن الغافقي، فوصلوا إلى مدينة ليون (LYON) وما زالوا يتقدمون في قلب فرنسة حتى بلغوا تور (TOURS) ولكن شارل مارتل اعترضهم بجموع الفرنجة في سهول بواتيه (3) ، وقتل في تلك المعركة، التي يسميها العرب بَلاط الشهداء قائدهم عبد الرحمن الغافقي، وكثيرون معه، وكان في ذلك سنة 144 هـ (732م) . ولم يقتصر عصر الولاة على الحروب بين المسلمين والنصارى في أوربة بل حدث شقاق عظيمٌ في المسلمين أنفسهم (4) ، فقد كانت هناك نزاعات وحروب داخلية على أشدها بين العرب والبربر تارة، وبين العرب أنفسهم تارة أخرى، ولاسيما بين القيسية واليمانية، ثم بين مؤيدي الأمويين والعباسيين. لهذا كله كان عصرُ الولاة عصرًا مضطربًا، وكانت السمات السياسية فيه، هي: الحروب والصراع، وعدم الاستقرار، مما جعل القلق يدبُّ في أوصال المجتمع، ويفكّك قوّته ويصدّع تَماسكه (5) .