فإذا كنا لا نعرف سياق الآية الكريمة، فإن الظلال التي تتراكب في الألفاظ ـ على النحو الذي رأينا في الاتجاهين معًا ـ توحي لنا أننا أمام موقف إما أن يُفهم في تداعيات معاني القوة والتمكُّن، فيكون من الظلال ما يوحي بها. وإما أن يُفهم في تداعيات معاني الضعف والوهن. حينها لا يكون الإخبار عنها بهذه الصياغة الرائعة إلا تجاوزًا لما فيها من سطح إلى ظل من ظلالها البعيدة على سبيل الاستعارة أو التكنية.
وإذا قدم لنا السياق قصة سيدنا زكريا ـ عليه السلام ـ وهو يتردد على مريم ـ عليها السلام ـ فيجد عندها من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها عن مصدرها، فتجيبه بما عرضه الله ـ عز وجل ـ في كتابه قائلًا: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا، قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب(.(آل عمران 37) . ولم تكن المعاينة واحدة، بل تكررت عدة مرات، وقد تكون سنوات. فيها من الإعداد لمريم ـ عليها السلام ـ ذاتها، لقبول جديد يطرأ عليها في مستقبل الأيام. واستدراجًا لزكريا ـ عليه السلام ـ نحو الطلب. ولما أيقن أن الله ـ عز وجل ـ يعطِّل القوانين التي أودعها في الكون إذا شاء، لخلق المعجزات.. هنالك دعا زكريا ربه.. وفي لفظ"هنالك"تمدد زمني يشعُّ من اللفظ ذاته، موحيًا بتكرار الملاحظة أمام عينيه.
لقد شاخ الرجل، وليس له من الذرية من يخلفه، وامرأته عاقر.. لقد اجتمعت فيه كافة أسباب انقطاع الأثر والولد.. وليس أمامه إلا أن يعطل الله ـ عز وجل ـ القانون الساري على أمثاله. إنه يشهد في الرزق الذي تصيب منه مريم، آية التعطيل والمعجزة. فلم لا يكون له هو الآخر نصيبًا من رحمة الله؟ هنالك.. دعا..