وما سمعت يومًا خطبةً في هذه المناسبة، ولا قرأت مقالةً، زاد ما فيهما شيئًا ذا بال على هذا الذي ذكرتُه. وبتعبير آخر أقول: إنّ الذي يقال في العادة، لا يكشف عن شخصية الفقيد بل لا يدنو منها، لا بالمسّ ولا بالتقرّي. ولا يقدّر الخسارة حقّ قدرها في هذه الحال، إلاّ مَن يصحّ عنده أنّ الإنسان هو الإنسان، كان وما يزال وسيظلّ: لا بدّ من أن يغضب وأن يرضى، وأن يشتدّ به الانفعال فيبكي، أو يضحك فيستغرق في الضحك، وأن يكون بخيلًا أو كريمًا، وأن يقسو أو يلين، الإنسان هو الإنسان، ومن نفى عنه ذلك فقد نفى عنه إنسانيته، ورقي به إلى مراتب الملائكة. ومن قرأ السيرة النبوية عرف ذلك وانحنى له. فصحيح أن رسول الله ? كان لا يقول إلا حقًّا، ولكنه كان يمزح. وصحيح أنه كان يحْلُم، ولكنّ الغضب كان يُعرف في وجهه، وصحيح أنه كان يعصب بطنه بالحجر من الجوع، ولكنه كان يستطيب فخذ الشاة، وإنه ليحار ويظل في حيرته، حتى يبيّن له الله الحقيقة، وإنه ليرتئي، ويكون الصواب في رأي غيره من ذوي المعرفة والتجربة. الإنسان هو الإنسان، ومن أبى فنفى عنه المزاح والحلم والغضب والجوع والعطش والحيرة وأكل الطعام والمشي في الأسواق، فقد خالف القرآن وأبى قول الله تعالى في وصفه له على لسانه ?إنما أنا بشر مثلكم?.
ولقد يُظَنّ أنني أريد ذكر ما لا يُستحبّ ذكره من سيرة الفقيد، فأقول:"لا، ما إلى هذا قصدت". فلقد لام الناس يومًا صديقًا للفقيد أحمد راتب النفاخ أشدّ اللوم، وأنكروا عليه أعظم الإنكار، أن وقف يؤبّنه فذكر أن الفقيد صرّح له بأنه يهوى فلانة ويعشقها. فهذا ونحوُه لا يكشف عن شخصية الفقيد، ولو كان يكشف عنها أو عن جانب منها، لما لامه على ما قاله أحد، ولا أنكر ذلك عليه أحد. فالعشق والهوى مغروس في أفئدة جميع البشر، ومَن ذا الذي استعصى على الحبّ والهوى؟! ?وإلاّ تصرف عني كيدهنّ أصبُ إليهنّ?.