كان إذا ألقى نكتة على الطلاّب، فضجّوا بالضحك دفعة واحدة، ظلّ ساكن التقاطيع كأنه يقرأ عليهم شاهدًا نحويًا حتى ينتهي ضحكهم!! فإذا كان من يلقي النكتة طالبًا ـ ولابدّ في هذه الحال من أن يتلبّس لبوس الجدّ ـ علّق الأستاذ على ذلك كأنه يعلّق على رأي لسيبويه أو المبرّد... ولقد أنعمت النظر في نكته وملحه، فرأيتها تقام على تعظيم صغير أو تصغير عظيم.
يقف يومًا عند قول الشاعر:"بين مُدَعَّسٍ ومُكَرْدَسِ"فيذكر أن الدَعس هو شدّة الوطْء، وهو الطعن بالرمح أيضًا، والمكردَس مَن صُرع وأوثِق. فيقول أحد الطلاب:
إذًا قول العامّة:"أبو دعّاس"فصيح، فيقول الأستاذ: نعم. فيقول الطالب: لماذا إذًا ينفر الناس من هذه الكنية اليوم، وكانوا من قبل يكنون بها؟ فيقول الأستاذ: كانوا يكنون بها يوم كان الرجال يدعسون!! وأما اليوم فمِن أين؟!!
وقد يتغافل فيأخذ زمام المبادرة ـ كما يقال ـ فيقف الطالب مكتوفًا لا يستطيع تقدمًا ولا تأخرًا. يقف يومًا يقرر بحث"رُبّ وما تدخل عليه"، فيقول:"لا تدخل ربَّ إلا على نكرة...". ثم يعالج دخولها على"مَن"في قول سويد اليشكري:
ربّ مَن أنضجت غيظًا قلبه
قد تمنّى لي موتًا لم يُطَعْ
فيقول له طالب!!"لكنْ أنا..."فلا يُمهله الأستاذ حتى يُتِمّ عبارته، بل يقطعها عليه فيقول له:"لكنْ أنت لا يُستشهد بكلامك"!! ويمضي يتابع تقرير الدرس.
وكان له بأسماء الطلاّب عناية.
يلقي يومًا على الطلاّب سؤالًا، فلا يجد عندهم جوابًا، ويظلّون صامتين لا يجيبون، ما عدا طالبًا يرفع إصبعه مستأذنًا. ويأذن له الأستاذ فيحسن الجواب. فيسأله ما اسمك؟ فيجيب الطالب:" بلبل". وتمضي الأيام، فيجيب الطالب نفسه فيخطئ. فيقول له الأستاذ: يبدو أنك فقدت صوتك!!