ويقف على المنصّة كأنه النسر، ويلتفت إلى اليسار فيرى في الصفّ الأول من المقاعد ثلاث فتيات وزميلًا لهنّ، فيأمر الفتى أن يرجع إلى المقاعد الخلفية فيجلسَ مع الذكور، ويرجع الطالب إلى الوراء معجلًا يكاد يتعثّر. ويظلّ الأستاذ صامتًا يتابعه بنظره، إلى أن يراه استقرّ في مجلسه الجديد. وأما الفتيات فيقول لإحداهنّ وقد لبست ثوبًا بلا كمّين: أليس مع والدك ثمن متر من القماش فتخيطي لثوبك كمّين؟! بعد هذا يبدأ الدرسَ، وقد سُنَّت فيه سُنتان: ينقلهما مِن بعدُ لاحقٌ عن سابق: انفصال الذكور عن الإناث، ولبس الفتيات أثوابًا بأكمام.
يشرح خطّة الدراسة خلال السنة ويبيّن منهاجها. ثم يوجز الكلام على أسماء الأفعال ـ وهي البحث الأول من برنامج السنة الأولى ـ فإذا تمّ له ذلك شرع يحلّل شواهدها: يبدأ بما يُحتجّ به فيبيّن مواضع الاحتجاج، ثم ينتقل إلى ما لا يُحتجّ به، فيبيّن أسباب عدم الاحتجاج. وينتهي الدرس، فيغادر المدرج أول المغادرين، يخرج كما دخل: كأنه الرمح استقامةً وانتصابًا، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا، وجهه مرتفع، وصدره متقدّم شيئًا، كأنه يقول للسخف والتفاهة:"لا".
ويتحلّق الطلاّب في الممرّ حلقات، يتداولون ما رأوا وما سمعوا من الأستاذ، ويعلّقون على ذلك!! أما الطالبات فمتأففات جميعًا من أستاذٍ لا يعرف وجهه الابتسام ولا اللين، وأما الطلاّب فقليل راضٍ لا يُعلن رضاه، وكثير ساخط يصرّح بسخطه. على أنّ الذكور والإناث جميعًا، قد أنكروا على الأستاذ أن يأمر الطالب بمغادرة مكانه ليجلس مع الذكور بعيدًا عن الفتيات.
هكذا كانت دروسه تمضي رحمه الله: جِدًّا لا هزل معه، وإحكامًا لا يمازجه تضييع. على أنني أجانب الحقيقة إن اجتزأت من وصف دروسه بما قدّمت آنفًا. ولا أراني أستكملها إلاّ بالتعريج على ومضات من سيرته في أثناء تلك الدروس: