(162-180) وهي الحرب التي وقعت في الأشهر الحُرم التي تعظمها العرب وتحرّم فيها القتل والقتال، فلما خرج المتحاربون فيها على شريعة العرب كانوا فاجرين بذلك. وهذه الحرب تتصل بأحداث سوق عكاظ قرب مكة، وما حولها. وأيامها خمسة تفرقت على أربع سنين، وكانت في حقيقتها نزاعًا وتزاحمًا على الكسب والنفوذ التجاري والأدبي، بين قريش وأحلافها من جهة، وهوازن المعروفة بعددها وبطشها حول عكاظ من جهة أخرى، على الرغم من أن قريشًا لم تكن تودّ وقوع هذه الحرب، لأسباب تجارية واجتماعية. وقد حضرها الرسول e بنفسه وكان فتىً يافعًا.
وأخيرًا تداعى الفريقان إلى السّلْم، على أن يذَروا الفضل في الدماء والأموال ويتعاهدوا على الصلح، وعقدوا على ذلك مواثيقهم.
وبقيت هذه الأحداث للذكرى والفخر، يتمجّد كل شاعر قوم بما فعل قومه وبما لهم من محامد ومآثر.
ويختم المؤلف حديثه عن حروب الفجار بقوله (180) :"وهكذا كانت تجارة العراق في (عكاظ) ، وما يفيده من يُجيرها من أرباح مادية ومعنوية، هو وقبيلته، سببًا مُغريًا في هذه الحروب، ولا بدع في ذلك فنحن ما نزال إلى اليوم نرى أكثر الحروب في حقيقتها تطاحنًا على النفوذ الاقتصادي والتنافس التجاري، إن لم يكن بصورة جليّة، فمن وراء الستار".
ويأتي حديث المؤلف عن (حلف الفضول) في نهاية هذا الباب (181-190) . وهذا الحلف ينفرد عن بقية العهود والأحلاف عند القرشيين بأهمية خاصة، ورعاية مقدسة، وتبجيل وشرف، لا يحظى بها حلف آخر. وهو حِلف تجاري بمقدماته ونتائجه، حفظ سمعة قريش، وصان ازدهار أسواق مكة، وحفظ حقّ الضعيف بعد أن كاد الأمن فيها يتعرض للخطر، وأوشكت ثقة الأعراب وتجّار النواحي بأسواق مكة تتزعزع.
واستمرّت ثمرة هذا الحِلْف في الإسلام وازدادت تأييدًا وقوةً ومنعة، وقد أثنى عليه صاحب الرسالة e بعد أن شهده وهو فتى في العشرين من عمره، وكان به جذلان مغتبطًا.