أما مكانتها الدينية بين العرب فتتجلى في أمرين: أولهما الرفادة، أي تقديم الطعام للحجّاج، وهذا ما أغراهم بالقدوم إلى مكة والإقبال على تلك الأسواق التجارية، وبذلك تضمن قريش رواج تجاراتها التي هي قوام أمورها في الحياة. وثاني الأمرين: كسوة الكعبة وما يتصل بذلك من أمور، وكان ذلك مدعاة لتباهي قريش به أمام سائر العرب، حتى إن أفرادًا آخرين من غير قريش راحوا يشرئبون إلى تحقيق ذلك الشأن.
وفي القسم الثاني من هذا الباب يتحدث المؤلف عن"إيلاف قريش" (174-161) وهو ما يمكن أن يسمى في عصرنا بالمعاهدات التجارية.
وهو أبرز حادث في تاريخ العرب التجاري قُبيل الإسلام، وقد أخبر به القرآن الكريم. وهناك آراء في تحديد معنى"الإيلاف" (148) ، ومنها الرّبح المخصوص الذي جعله هاشم بن عبد مناف لرؤساء القبائل لكي يكفيهم مؤونة الأسفار، ويكفي قريشًا الأعداء، ومنها: العهد، وشبه الإجازة والخِفارة، ممّا هيّأ لقريش - حين أُخذ لها الإيلاف (العهد) من الملوك- أن ترحل إلى الشام والحبشة واليمن والعراق...
ثم ذكر المؤلف الإيلافات أو المعاهدات التجارية التي عقدتها قريش مع العرب والروم والحبشة وفارس، وبذلك خرجت تجارة قريش من طابعها المحلي وأفقها المحصور إلى رحابة الآفاق الأجنبية، فاتسعت تجارتها وارتقت مكانتها الاجتماعية وكثرت أموالها، بفضل الإخوة الأربعة هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، أبناء عبد مناف. وهم أصحاب الإيلاف الذين رفع الله بهم قريشًا ونَعَش فقراءها، وبنى تجارتها على أسسٍ قوية، حتى صارت شبه دولية بعد أن كانت محلية.
ويأتي، بعد ذلك، القسم الثالث من هذا الباب الثاني، فيخصّه المؤلف (بحرب الفجار) ،