فهرس الكتاب
أما الإشراف على أمور تلك الأسواق وشؤون الناس التجارية فكان يتولاه -في بعض هذه الأسواق- أمراء يأخذون الضرائب من الناس، أو رؤساء يهبطون الأسواق لجمع الإتاوات، أو أشراف يفدون على الأسواق التي تكون تحت سيطرة أميرٍ من الأمراء، ليستوفوا نصيبهم من الربح الذي جعله لهم ذلك الأمير. بل إن بعض الأسواق كان يقع تحت سيطرة دولة أجنبية، كسوق المشقَّر، التي تحكّم كسرى بأهلها وتجارتها.
وأما عروض التجارة التي كانت تُحمل إلى الأسواق فأكثرها لا يتعدى التمر والزبيب، والزيت والسّمن، والأدَم (الجِلْد) والوَرْس (نبات يُصبغ بورقه) وأنواع الطِيب، والبُرود، وبعض ضروب الحيوان، كالمواشي والإبل والخيل، حتى القرود أحيانًا، وذلك على اختلاف بين سوقٍ وأخرى فيما يغلب على عروضها التجارية بالقياس إلى غيرها.
وهذه الحركة التجارية حملت إلى العرب كثيرًا من ألوان الترف التي لا عهد لهم بمثلها، فتغالى أشرافهم بالثياب والبُرود والطيب والسلاح، وشرب الخمر التي أمعنوا في استحضارها من مصادرها المشهورة، من بلاد الشام والعراق، وتمدح الشعراء بشربها والإنفاق عليها، والتردد على حوانيتها، كقول عنترة:
ولقد شربتُ من المُدامة، بعدما
بزجاجةٍ صفراءَ ذات أسرّةٍ ... قُرنت بأزهرَ في الشمال مفدَّمِ
فإذا شربتُ فإنني مستهلكٌ ... مالي وعِرضي وافر لم يُكْلَمِ ( [7] )
وهذه الأسواق يغشاها عامة العرب، لأن شغل أكثرهم التجارة، أو الكسب والشراء. وكان أعظم ما يدفع العرب في الجاهلية إلى قصد تلك الأسواق: قيام كثيرٍ منها في الأشهر الحرم، وشيوع الأمن حرمةً للشهر، ولأن مواسم بعض الأسواق كعكاظ ومجنّة وذي المجاز تقع في أيام حجّهم، ويأتونها من كل أَوْب ومعهم خيرات بلادهم. ... علينا، فقد أمسى هوانا يمانيا