فهرس الكتاب
ويضاف إلى الأهمية التجارية والأمنيّة، وإلى تحقيق مختلف الغايات في هذه الأسواق أنّ فيها، أو في بعضها تناشد أشعار، وتفاخرًا وتكاثرًا، وكان لهم حكّام يفضون المشكلات بين القبائل، ومحكَّمون يحتكم إليهم الناس في مفاخراتهم وأشعارهم، كما لهم خطباؤهم أيضًا. ومن حكّامهم في الجاهلية: أكثم بن صيفي، والأقرع بن حابس، وعامر بن الظَّرِب، وصفوان بن أميّة.
وهناك نشاط آخر في تلك الأسواق لا يقل شأنًا عن النشاط التجاري، وهو أثر ذلك الاختلاط بين القبائل في اللغة، والعادات، والدين:
فالشعراء في عكاظ يتوخّون اللغة المُجْمَع على فصاحتها، والتي صار لها من النفوذ والشيوع ما للّغات العامة اليوم، فكأن لهجة قريش هي اللهجة الرسمية بين لهجات الجزيرة كلّها، لأن قيام هذه القبيلة على الأسواق أعوامًا طويلة قبل البعثة مكّنها من أن تتبوّأ في اللغة المكان الأعلى، ولأنها اختارت من لغات القبائل الوافدة عامةً ما يَحسُن، ونفَتْ ما يَقْبُح، حتى خلصت لها ـ بعد زمنٍ طويل ـ هذه اللغة الممتازة التي نزل بها القرآن الكريم.
أما العادات: فقد سرى التأثر والتأثير بين الوافدين على هذه الأسواق، من حجازيين، ونجديين، ويمنيين، وعُمانيّين، يقبسُ بعضهم من بعض ألوانًا من العادات.
وكذلك أمر الدين، ولعل أثر الاختلاط في الدين أبلغ، لقيام الجميع بمناسك واحدة، يؤمّهم فيها قريش أهلُ الحرم. فأعظم آثار الأسواق قبل البعثة هو هذا التوحيد الذي جرى بين القبائل العربية من عامة الأقطار، ولا سيما التوحيد اللغوي المتمثل في انتقاء الألفاظ والأساليب، وشيوعها بوساطة الرّواة في القبائل. بل إن نهضة الشعر مدينة للأسواق عامة، ولعكاظ خاصةً. عُرف لها هذا الأمر منذ الجاهلية حتى اليوم.