ولكن قبل هذا بزمن، وفي عام 1893 كان ول كوكس (4) قد ألقى محاضرةً في نادي الأزبكية بالقاهرة عنوانها:"لمَ لمْ توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن"زعم فيها أن العامل الأكبر في فَقْد قوةِ الاختراع لدى المصريين هو استخدامهم العربية الفصحى في القراءة والكتابة وقدّم نصحه لهم ليستخدموا العامية في الكتابة كي يصيروا من المخترعين (5) قال ول كوكس:"وأنتم أيها المصريون لن تزالوا قادرين على إيجاد قوة الاختراع لديكم كما فعلت إنجلترا، فإنه يوجد فيكم أناس كثيرون توفّرت فيهم الشروط المارّة، ولكن بسبب عدم وجود لسانٍ علميّ مشهور فيما بينكم لم تتحصّلوا على شيءٍ، وأضعتم أعمالكم سدى، والسبب في ذلك أنّ الكتب العلمية الدنيوية يؤلفها أربابها بكلامٍ مثل الجبال، وفي آخر الأمر لا يلد هذا الكلامُ الصعب إلا فأرًا صغيرًا، وما نشأ ذلك إلاَّ من كون اللسان العلميّ غير مشهور فيما بين العامة، فبمجرّد وضع الأفكار في الكتب تموت ولم تعد تحيا، فكأنهم يكفّنونها في الورق ويدفنونها في جلود الكتب. واللغة العربية الأصلية كانت قوية جدًا مشحونة بالألفاظ الشهيرة كما أنها كانت مشتملة على ألفاظ كثيرة ضعيفة، وعلى مرّ الزمان غلبت القويةُ الضعيفة وكوّنت لغة قوية. ولكنكم أيها المصريون أصبحتم تقولون إنها لغة دارجة لا ينبغي اتباعها وجنحتم في مؤلفاتكم إلى اللغة الضعيفة الخفيّة التي ماتت منذ زمن بسببِ مزاحمة القويّة لها، وأقول لكم: إذا جنحتُم إلى هذه اللغة الدارجة القوية الشهيرة فيما بينكم وتركتم هذه اللغة الضعيفة تنجحون كثيرًا" (6)