فهرس الكتاب
فمن حديث الخلاف بين البصريين والكوفيين: أن أكثر البصريين والفراء أوجبوا إعادة الخافض في الاسم الظاهر إذا عطف على ضمير مخفوض، وخالفهم الكوفيون فأجازوا العطف بلا إعادة الخافض، واحتجوا بقراءة حمزة السالفة، إلا أن البصريين ردوا هذه القراءة، وذكروا وجهين في تخريجها (29) ، وكان لمتقدِّميهم موقف متشدّد منها، لأنها مخالفة لأقيستهم، وكان على رأسهم أبو العباس المبرد، إذ لم يأخذ بقراءة حمزة متعللًا بأن كلام الله لا يخرَّج إلا على أقوى المذاهب النحوية، قال:"والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب، وقرأ حمزة (الذي تساءلون به والأرحامِ(، وهذا مما لا يجوز عندنا، إلا أن يضطرّ إليه شاعر"(30) .
غير أن هذا من البصريين لم يَرُق للأستاذ الأفغاني، فساق نصًا للسيوطي (31) وآخر للفخر الرازي (32) ، ليظهر وجوب الأخذ بالقراءة المتواترة السالفة، وطرح القاعدة النحوية التي صاغها نحاة البصرية وعوَّلوا عليها، واتخذ من كلام الرازي والسيوطي برهانًا ظاهرًا على ما يدعو إليه من وجوب بناء القاعدة النحوية على القراءة القرآنية وتحكيمها فيها، ولا سيما المتواترة.
وسار ابن مالك من المتقدمين في ركب يونس والأخفش والكوفيين في إجازتهم العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض، واستند إلى قراءة حمزة وأشياء أخرى من كلام العرب، فقال:"ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة (تساءلون به والأرحام(، وهي أيضًا قراءة ابن عباس والحسن وأبي رزين ومجاهد والنخعي والأعمش..."(33) ثم روى شواهد تشهد بجواز المسألة (34) .
واختار أبو حيان جواز المسألة مطلقًا (35) .