كيف قبلتم خديعة عدو العرب الأول ـ وأنتم تدَّعون الذكاء ـ عندما أقنعكم بتلاعبه بدلالات المصطلحات اللغوية، فسمَّيتم المقَاومة إرهابًا، والجهاد اعتداءً على المدنيين، والاستشهاد في الدفاع عن الوطن انتحارًا غير حضاري، وفوضى الحريات ديمقراطية، وتسليم ثروات الأمة بالإكراه تطبيقًا؟! وأسلحة الدفاع عن النفس أسلحة دمار شامل، وإخضاع الأمم وترويضها لإمبراطوريتكم سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا متطلبات عصر العولمة؟! وسكتّم عمن يملك ـ فعلًا ـ ترسانة دمار شامل كادت تتآكل مع الزمن لقِدَم تخزينها، وتفاعل مكوناتها، ومع ذلك تطلبون من الشعب العربي أن يحبكم؟! ما هذا المنطق العجيب في طلب الحب؟! والحب عند بني البشر عملية تبادلية، قوامها رضى الطرفين وفائدة المحبين، وحسبي أن أذكركم بشعر ذلك الشاعر العظيم الذي عاش عمره في بلادكم: أمريكا. تعلَّموا منه مبادئ الحب، وأكتفي بأن أقتطف لكم أبياتًا في (مبادئ الحب) من قصيدة طويلة. يقول فيها:
يا صاحِ، خذ علم (المحبة) عنهما
واعمل لإسعاد الورى وهنائهم ... إن شئتَ تسعد في الحياة وتنعما
أيقظ شعورك (بالمحبة) إن غفا ... لولا شعورُ الناس كانوا كالدُّمى
ما الكأس لولا الخمر غير زجاجةٍ ... والمرء لولا (الحب) إلا أَعظُما
لو تعشق البيداء أصبح رملها ... زهرًا، وصار سرابُها الخدَّاعُ ما
لو لم يكن في الأرضِ إلا مبغضٌ ... لتبرَّمتْ بوجوده وتبرّما
لاح الجمال لذي نُهىً، فأحبه ... ورآه ذو جهلٍ فظنَّ ورجَّما
لا تطلبنَّ (محبة) من جاهلٍ ... المرء ليس (يحب) حتى يفهما
فكرتُ أن أعتذر؛ لأنني خرجتُ عن منهجي في الافتتاحيات، فأطلتُ في الحديث، وخلطتُ عبق الأدب بنكد السياسة، ولكن تذكرت كلمات الذين ينظِّرون لوظيفة الأدب والفن، فعلمونا أن الأديب والمفكر مُطالب بأن يروّض قلمه لخدمة أمته، وأدبه في توعية الجيل الذي يعاصره، وهذا ما أردت.