فهرس الكتاب
وتبدو"الهامة"في أسطورتها رمزًا للظلام والعطش والموت، وواسطة بين عالم الموتى وعالم الأحياء، فهي تطالب بالثأر، وتخبر الميت بما يكون بعد موته على نحو ما لاحظ د/ عجينة في كتابه الذي تكررت الإشارة إليه. فكيف تبدو في الشعر الجاهلي؟
يلاحظ قارئ الشعر الجاهلي أن ذكر"الهامة"يأتي في سياقين متقاربين، ولكنهما ـ على تقاربهما ـ مختلفان. فالشعراء يذكرونها في سياق الحديث عن الموت من غير قتل، ويذكرونها في سياق الموت قتلًا، ولكن ذكرها في السياق الأول يفوق ذكرها في السياق الثاني. ومن الملاحظ أن السياق الأول يجرّد هذه الأسطورة من دلالتها التحريضية، بل قل يكاد يجردها من رمزيتها على نحو ما نرى في قول عروة بن الورد مخاطبًا زوجه: ( [21] )
ذريني ونفسي أُمَّ حسّانَ إنّني
أحاديثَ تبقى والفتى غيرُ خالدٍ ... إذا هو أمسى هامةً فوق صيّرِ
لقد تلاشت رمزية الأسطورة القديمة أو كادت ولم يبق منها إلا رواسب ضئيلة الشأن، وبذلك اندمجت في ثقافة المجتمع غير الأسطورية، وغدت عنصرًا من عناصرها. ... أَنيسُكَ أصداء القبورِ تَصيحُ
وتأتي في سياق الحديث عن الموت قتلًا كما في رثاء أبي ذؤيب الهذلي لابن عمه"نشيبة"المقتول: ( [22] )
فإن تُمس في رمسٍ برهوةَ ثاويًا
على الكره مني ما أكفكف عبرةً ... ولكنْ أخلّي سَربَها فتسيحُ
فما لك جبرانٌ ومالك ناصرٌ ... ولا لطفٌ يبكي عليك نصيح
ولعل الذي يباعد بين الهامة أو الصدى في هذا النص والهامة في الأسطورة، هو هذا الحزن الضرير والإحساس بالعجز والحسرة، فقد قل المساعدُ وعزّ النصير، فماذا يملك غير البكاء؟ أو قل إن الشاعر لا يحكي لنا قصة الهامة على أنها حقيقة واقعة كما يؤمن بها معتنقوها، بل يحكيها كي يحرّض على الانتقام للمقتول ممن قتله لو كان يجد من يحرّضه!! ... مختلفان فأَقليهِ وَيَقليني