فهرس الكتاب
ولعل الناظر في هذين البيتين يدرك أن الشاعر يتحدث عن هذه الأسطورة حديث الساخر المستخفّ، فالسهم الذي أرسلوه إلى السماء ليستطلعوا رأي ربهم لم يشعر به أحد، وحين رجع إليهم كما أرسلوه استراحوا، وإذن فهم ـ في رأي الشاعر ـ أهل للهجاء، ولهذه السخرية التي عمّهم بها"استفاؤوا وقالوا حبّذا الوضح"لأنهم جبناء أقعدهم الذل والهوان مقعد الاستكانة والرضا. فهذه أسطورة يذكرها الشاعر ليسخر منها ويسفهها لا لأنه مؤمن بها. فإذا نظرنا في هذه الأسطورة أدركنا أنها موصولة بالأرض والمجتمع أكثر من اتصالها المزعوم بالسماء. قال ابن الأعرابي:"أصل هذا أن يقتل الرجل رجلًا من قبيلته فَيُطلب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مُكمَلَةٍ، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوة أبَوا ذلك، وإلا قالوا لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهمًا فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرّجًا بالدم فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد فقد أمرنا بأخذها". ألست ترى أن هذه الأسطورة المزعومة تعبّر عن واقع اجتماعي قانونه الأول هو"القوة"، فالأقوياء يرفضون هذه الأسطورة ولكن الضعفاء يقبلونها، وهم يعرفون أنها ضرب من مخادعة الذات ومغالطتها. ولكن ماذا يفعل الضعيف في مجتمع الأقوياء؟ إنه يغالط نفسه ويخدعها لأنه عاجز عن مواجهة الأقوياء أو مخادعتهم. ولقد علّق ابن الأعرابي:"ما رجع ذلك السهم قطّ إلا نقيًّا، ولكنهم يعتذرون به عند الجهّال" ( [20] ) !! هل نسرف في الظن إذا زعمنا أننا أمام تمثيلية أسطورية هزلية، وأن عصر الأساطير كان أقدم من العصر الجاهلي الذي نتحدث عنه؟ ... بها قبلَ ألاّ أملكَ البيع مشترِ