فهرس الكتاب
وما أعان على هذا التداعي والاتساق والتلاحم مجيء القصيدة في سياق قصصي، جسدت فيه المرأة المهجوة بكل صفاتها الآنفة الذكر شخصية محورية لها حضور واضح من أول القصيدة إلى آخرها، تلتها شخصية الوالي الذي بدا متسلطًا يستحثها مع مثابرتها وجهدها، وقد أعانها هو في إنجاز بعض المهام التي لم تقو هي عليها. ثم شخصية الزائر (أبو الخشخاش) الذي بدا هضيم الجناح لحاجته الماسة للطعام وإصرار المرأة على حرمانه برغم محاولاته، ولا يخفى أن هنالك شخصيات ثانوية أثبتت في السياق، كذكر الشاعر للحمار في مطلع القصيدة وذكره لقطيع الضأن، ثم تحديده لشاة بعينها (أجياد) باعتبارها أول ما بدأ بها الحلب، وإشارته إلى الشاة ذات اللونين التي صنع من جلدها الوطب، ولا ننسي الحمل الربعي وأمه، فقد كلف هذا الحمل المرأة جهدًا لتعدو خلفه وتمنعه من أن يرتضع أمه، ويضاف إلى ذلك إشارته (للأجير) و (علفوف الترك) اللذين شبه بهما الوطب.
ولإثبات الحدث وتفعيله جعل له الشاعر حيزًا زمانيًا (اختار أن يكون غالبًا ليلًا) كقوله:
فلمَّا تَجَلَّى اللَّيْلُ عَنْها وأبْصرتْ
وقوله: ... خَلِيلِي أبو الخَشْخاش واللَّيْلُ بارِدُ
تَأوَّبَها في لَيْلِ نَحْسٍ وقِرَّةٍ
وقوله: ... سَرَاهَا الدَّوَاهِي واسْتَنامَ الخَرائدُ
فَقَامَتْ بأثنَاءٍ من اللَّيْلِ سَاعَةً
كما كان للحوار دور بارز في تفعيل الحدث. مثاله: ... غِناءَ الحَمَامِ أنْ تَمِيعَ المَزَايدُ
يُقالُ لها جِدِّي هَوَيْتِ وبادِرِي
وقوله: ... على الزَّادِ، شَكْلٌ بَيْننا مُتَباعِدُ
فقَّامَ يُصادِيها فقالتْ تُرِيدُني
وهناك حوار داخلي أو هو حديث النفس في قوله: ... ألا كل شيء ما خلا الله بائد
فلما أَدَى واستربعْته ترنَّمت
وهناك حوار مزدوج اللغة لغته لدى أبي الخشخاش هي اللغة المعروفة أما لدى المرأة فهي لغة العيون التي كانت أبلغ من كل لسان: ... بزَرْقاءَ لمْ تَدْخُلْ عليها المَراودُ
إذا قالَ مَهْلًا أسْجِحِي حَمْلقَتْ لَه