وهكذا فإن البخل الذي نسب إلى المرأة في هذه الدالية ليس بخلًا مذمومًا منبثقًا عن شح وسوء خلق وإنما هو من قبيل حرصها على الكيان الاقتصادي للأسرة، وتلتقي في هذا الأمر مع غيرها من النساء، يقول الدكتور أحمد الحوفي عن المرأة في هذا الشأن ( [6] ) "إنها كانت أحرص على المال من الرجال ولعل أسباب ذلك أنهن أحفل بالثروة وتنميتها، ثم لأنهن أحسن تدبيرًا للمال ولا يحفلن بثناءٍ ينقص المال ويسبب الخصاصة"وتوجد الكثير من المرويات الشعرية في حرص المرأة على صون مال الأسرة ومن ثم قد تلوم زوجها على الإنفاق.
يقول حاتم الطائي مخاطبًا زوجته ( [7] ) :
أماوي إن المال غادٍ ورائح
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماءٌ لدي ولا خمر
تري أن ما أهلكت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر
وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر
ويقول عمرو بن كلثوم ( [8] ) : ... سفهًا بنت ثوير بن هلال
بكرت تعذلني وسط الحلال
بكرت تعذلني في أن رأت ... إبلي نهبًا لشرب وفضال
لا تلوميني فإني متلف ... كل ما تحوي يميني وشمالي
لست إن أطرفت مالًا فرحًا ... وإذا أتلفته لست أبالي
ولحميد بن ثور ذاته أبيات سوى هذه الدالية تسير في هذا المنحى هي قوله ( [9] ) : ... فقلت لها حثي على البخل أحمدا
لقد أمرت بالبخل أم محمد
فإني امرؤٌ عودت نفسي عادة ... وكل امرئ جار على ما تعودا
أحين بدا في الرأس شيب وأقبلت ... إليّ بنو عيلان مثنى ومَوْحَدا
رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي ... وراءك عني طالقًا وارحلي غدا
يلاحظ مما سبق أن الزوجة تعطي نفسها الحق بأن تسائل الزوج في إنفاقه المال، والزوج ينفرد بالإنفاق ويغلب إرادة الزوجة بالإقتار لأنه صاحب المال والقادر على كسبه. ... بِفِي مَنْ بَغَى خَيْرًا إليْهَا الجَلامدُ