والزوجة في دالية حميد لم تكن فقط حريصة على مال زوجها بل كان لها دور عملي في الحفاظ على الكيان الاقتصادي للأسرة من خلال ممارستها للكثير من الأعمال كرعاية البهم، خض اللبن، دباغة الجلود والغزل، إذًا فهي مشاركة بجهدها، وليس غريبًا أن تتشبث بثمرة هذا الجهد، ولا بد أن براعة الشاعر في وصفها بالقلب صياغي ساخر هو الذي دفع إلى هذه الشبهة، ويبدو الشاعر كالمعجب بهذا الصنيع منها وما هجاؤه لها إلا محض سخرية من زوجة نكدية.
مدح تحت عباءة الهجاء:
هذه القصيدة موضوعها هو الهجاء ولكن المتأمل يلاحظ أن هذا الهجاء يحمل بين طياته في كثير من الأحيان مدحًا خفيًا، ويتجلى هذا التنازع في مظهرين، أولهما إتيان الشاعر بصفات جسدية أو معنوية معيبة للمرأة لتنافيها مع رقة الأنثى، ولكنّا نلمح من ورائها إعجابًا خفيًا منه بهذه الصفات، ثانيهما نزوع الشاعر إلى أسلوب أشبه بالتضاد تتراوح فيه اللغة بين الدلالة على المعنى والمعنى المقابل له مع احتمال ترجيح أحدهما.
لعل مطلع القصيدة هو أول مثال على المظهر الأول، فقد وصفت فيه المرأة بقلة الحياء لخصائها للحمار ولكن لا يخفى أن الشاعر بدا كالمعجب بهذه الجراءة وهذه الدربة وهذا المراس:
جُلُبَّانَةٌ وَرْهَاءُ تَخْصي حِمَارهَا
ومن أمثلته قوله يصف أعلى صدرها والعظمين اللذين ينبت عليهما حاجباها وتشبيههما من المدرك الحسّي بالحجر حول البئر وقد سهلته آثار الواردين فجسَّد بهذا التشبيه صلابة هذين الموضعين من جسد امرأته، ولم ينس ما عليهما من تجاعيد، وهي بلا ريب صورة معيبة و لكنها بلا ريب أيضًا تحمل إعجابًا خفيًا بهذه القوة: ... صَفًا مِنْ حَزِيزٍ سَهَّلته الموَارِدُ
كأنّ مَكَانَ العِقْدِ منها إذا بَدَا
كأنَّ حِجَاجَيْ رَأسِها في مُثَلْمٍ ... من الصَّخْرِ جَوْنٍ خَلَّفَتْه المَوارِدُ