فهرس الكتاب

الصفحة 20529 من 23694

كُلَّما جال الفكر في هذه المسألة تهيَّأَ لي أنَّ جوانب أُخْرى قَد أُهمِلَت ولَمْ تُعط حقها من العناية ولم يُوقَف عندها ويُتريَّثُ؛ اللهمَّ إلاَّ الإشارة دون النظرة الغَائِرة الفاحِصَة، فقد استُبعِد الحديث الشريف وهو رأسُ البلاغة البشرية وَسَنامُها وصَاحبُه هو أبلَغُ المتكلّمين وأفصَحُ العالمين.

ولعلّ باستدراك هذا النقص وبالعناية بالحديث الشريف، تنفَتِح آفاق رَحْبةٌ بين يدَي الدرس اللغوي والبلاغي.

ولقد تَرَاءَى لي أنَّ النَّظم ليس قَسِيمًا للألفاظ والمعاني؛ وإنَّمَا هو مُنسِّقٌ لما بينَهما وَفْقَ الصورة الذهنيّة، على القواعد العربيّة ـ بحيث لا يحدث إخلال لا بالمعنى المراد، ولا بالقواعدِ الصَّحيحة.

وإنَّه ليصْدُق أن يطلق على النظم"المُعَادَلَة اللغوية"؛ المعادلة بين المَحْصُول الفكري والشعور الوجداني مِن جهَة، والزّاد اللغوي مِن جِهة أخرى.

ففي كُلِّ عمليّة تعبيرية لا بدَّ مِن تلاقُح هذِه العوامل وتفاعلها لِتَلِدَ العبارة ولهذا فاللفظة في العبارة ليست معنى مُفردًا، وإِنْ كانت كذلك خارج العبارة؛ لأنَّ الألفاظ بمثابة المواد الكيماوية المفردة ولكنَّها في السياق تُحدِث تَفَاعلًا فيما بينها ينتج عنه مُركَّبٌ جَدِيد له خَصَائِصه، وليست عبارة عن معانٍ مُفردة متجاورة.

وعليه فإن العلاقات السياقية تختلف مِن أُسلوب إلى أُسلُوب لأنها تَحمل ميزاتٍ شخصيةً مِن صاحبها وتَعكس طريقة التَّعبير والتفكير. وما أصدق القول المشهور"الأسلوب هو الرجل"! إِنَّه بَصْمةٌ من أَصَابِعه. بل هو صورة لصاحبه، فيه من مهابته ووقاره، وفيه مِن صَخَبِه وَجَفائِه.. لا جرَم أَنَّ المرْءَ مَخبوءٌ تَحت لِسَانِه بل إنَّ الألفاظَ التِي نستخدمها هِيَ أيضًا ذوات شخصيات متباينة يختار منها المتكلِّمُ ما يُلائِم، ويُرجِئُ منها ما يشاء.

وقَدْ تمثَّلَت أَشْباحها لابن الأَثِير فقال عنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت