"اعْلَمْ أَنَّ الألفاظ تَجْرِي من السَّمْعِ مَجْرَى الأَشْخَاصِ من البصر فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق، ولطافة مزاج. ولهذا نرى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد. وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي" ( [3] ) .
فطريقة التعبير عما يتراءى للعقل. ويحوك في الصدر ويجيش في النفس، بِصدق ودقة، كل ذلك يحمله الأسلوب بدقائقه فضلًا عن اعتبارات أخرى تختلف من موقف إلى آخر تتكرر أو تتجدد.. إنها عوامل متداخلة تعمل وفق قانون معقد، فوراء كل عبارة هناك النيات والمقاصد وما يشوبها، والمعاني وتصورها جزءًا أو كلًا، ونسبة التفاعل معها، ومقدار الاقتناع بها، ودرجة وضوحها وشفافيتها.. ثم ما مدى ما يحمل التعبير من ذلك؟.. ثم هناك المقام الذي قيلت فيه ثم حال المتلقي ( [4] ) الذي يختلف حكمه حسب الاستعداد والنشاط والقبول وقديمًا قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: (حدث الناس ما حدجوك بأبصارهم فإذا رأيتهم قد ملوا فدعهم) .
هذا ولا شك أن الأصباغ الصوتية التي تلون العبارة لها أثر في الأسلوب قوة وجمالًا، ولها نصيب في توجيه الدلالة بحسب انسجامها مع المعاني، وتناغمها مع العواطف، وتساوقها مع المقام.
إن تفاعل الألفاظ جرسًا ودلالة وانسجامها في العبارات يشع بإيحاءات غير المعاني النحوية واللغوية يدركها من له ذوق مرهف يتذوق اللغة في التركيب ويتلذذ المعاني في السياق فتسري حمياها في نياط القلوب، ويسلب العقول ويبعث في النفس انشراحًا.. وإلى هذه الحقيقة يشير النبي (e) في عبارته: [إن من البيان لسحرًا] .
وهي تجربة يعيشها من حباه الله بأدوات الاستشعار بل كل من مارس النصوص وأوتي حظًا من ذوق الكلام وأفانين القول..