وعلى هذا الأساس بنى بهاء الدين السُّبكي ( [51] ) (تـ763هـ) حكمه وهو أن أحسن التراكيب الثلاثية وأكثرها استعمالًا ما انتقل فيه من المخرج الأعلى إلى الأوسط إلى الأدنى نحو ( ع د ب) ثم ما انتقل فيه من الأوسط إلى الأدنى إلى الأعلى نحو: (د م ع ) ثم ما انتقل فيه من الأعلى إلى الأدنى إلى الأوسط نحو (ع ب د) ( [52] ) .
وكما رتبوا الكلمات بحسب تناسق أصواتها وتنافرها رتبوها بحسب عدد حروفها، فإنهم عندما استقرأوا اللغة العربية وجدوا أن أكثر الأبنية استعمالًا ودورانًا على السنة العرب ما كان ثلاثيًا ( [53] ) ؛ لأنه أعدلها تركيبًا له حرف يبتدأ به وحرف يحشى به وحرف يوقف عليه، وهي ميزة لا نجدها في الثنائي ولا في الرباعي ولا في الخماسي، وقد أسهب ابن جني في تبريرها ( [54] ) ، ويضيق المقام هنا عن إيراد ذلك.
نخلص من هذه الدراسة إلى أن العرب كثيرو الاهتمام بالفصاحة والبلاغة والبيان وأنهم بلغوا أسمى المراتب في تذوُّق جماليات لغتهم وتفهُّم أسرارها والاستراحة إليها. والفصاحة عندهم سمة من سمات الأداء الكلامي، وهي بقدر ما تتعلق بالمفردات والتراكيب ـ على تفاوت بين النقاد والبلاغيين في حضور المعنى هنا ـ تتعلق بالمتكلم أيضًا.
فأمّا الفصيح من المفردات ـ باعتبارها الوحدة الأساس في عملية الاتصال والتواصل ـ ما عذب وقعه على الأذن وخف به النطق على اللسان، ولا يتأتى ذلك إلاّ بتآلف أصواتها وتناسقها. والرديء مما كان عكس ذلك.
ومن التراكيب ما تحققت فيه جودة النظم وقوة السبك وحسن التأليف. و أما الفصيح من الناس من يصير إلى حال يقيم فيها الحروف ويوفيها حقها. كل ذلك بوضوح النطق وطلاقة اللسان وتمام آلة البيان.
إنه إذا اجتمع هذان العنصران بالصفات المذكورة، حَسُنَ الإبلاغ وحصل الفهم وتم التواصل.
المصادر والمراجع:
أولًا: المصادر والمراجع العربية والمترجمة
القرآن الكريم برواية ورش عن نافع