"لاحظ اللغويون منذ القدم عند النظر في تأليف الكلمة العربية من أصولها الثلاثة ( الفاء والعين واللام) أن هذه الأصول يجري تأليفها حسب أساسٍ ذوقي وعضوي خاص يتصل بتجاور مخارج الحروف الأصول التي تتألف منها الكلمة أو تباعدها بالنسبة إلى أماكنها في الجهاز النطقي، ولقد لاحظ الأقدمون أن الكلمة العربية إذا أريد لها أن تكون فصيحة مقبولة فإنها تتطلب في مخارج حروفها أن تكون متناسقة، ولا تتسامح اللغة فتتخلى عن هذا المطلب إلا في أضيق الحدود في حالات الزيادة والإلصاق ونحوهما" ( [48] ) .
وهذا لم يغب عن ذهن الجاحظ فهو من الذين تنبهوا لظاهرة تآلف الألفاظ وتناسقها وتباينها وتنافرها، وكذلك الأصوات في الكلمة سواء أكانت في الشعر أم في النثر وأشار إلى أننا قد نجدها متفقة منسجمة ولينة سهلة، وسلسة النظام خفيفة على اللسان حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، والكلمة بأسرها حرف واحد.
وعكس ذلك قد نجدها مختلفة متباينة ومتنافرة مستكرهة شاقة على اللسان متعبة له. وذكر الحروف التي لا تقارن بينها نحو الجيم مثلًا فإنها لا تألف مع الظاء ولا القاف والطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير وكذلك الأمر بالنسبة إلى الزاي فإنها لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا بتأخير أيضًا ( [49] ) .
وهذا يعني أن للكلمات مراتب بحسب الثقل والخفة وذلك مرتبط بمخارج الحروف قربًا وبعدًا. فإنّها إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على السان بدليل أننا لا نكاد نعثر على في كلام العرب على ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، لصعوبة ذلك على ألسنتهم. أما إذا تباعدت فإنها تخف ويحسن فيها وجه التأليف ( [50] ) .