أما أبو بكر الصنوبري أحمد بن محمد (334) هفقد جعل كواكب الفلك تنقضّ ساعة تطلع، كما جعل أصواتها ذات تلوين، فهي ترتفع وتنخفض، فيُسمع منها حينًا حنين الذئب مرددًا، ويسمع منها حينًا آخر زئير الليث مرجّعًا. يقول الصنوبري: ... من مائهِ ت تنقضُّ ساعةَ تطلعُ
فَلكٌ من الدولاب فيه كواكبٌ
متلوّنُ الأصوات يخفضُ صوته ... بغنائه طورًا وطورًا يرفع
أبدًا حنين الذئب فيه مردَّد ... أبدًا زئيرُ الليث فيه مرجَّع ( [9] )
ويتفرد الخبّاز البلدي محمد بن أحمد بن حمدان (القرن الرابع الهجري) بوصفٍ مخترع.. لا يخلو من غرابة عندما جعل دولاب الناعورة سحابة من خشب، والفلك الدائر يزمزم بأصوات لا تفهم كأنها أصوات الترك، وهو يدور.. فلا يكلّ ولا يملّ، ودوراته لا يحصيها حاصٍ.. ولو فعل لتعب من الإحصاء. يقول الخباز البلدي: ... سحابة أنشِئتْ من الخشب
يسوقُ من دجلةَ الرّواء له
نجوم ماءٍ يديرها فلكٌ ... يكثر منه تعجّبُ العجب
مزمزمٌ لا يبينُ منطقه ... كقائد التركِ غدْوةَ الشغب
يتعب جدًا مُحْصي تقلّبه ... وهو مُعافى من شدّة التعب ( [10] )
ويكتفي أبو العباس النامي (399) هبالتعجب من صنع الناعورة، واختلافها خلقة وخليقة، فأفواهها في أوساطها، وعيونها في جنوبها: ... (دهرًا) فأذكرتِ الهوى أخلاقُها
وصلتْ نواعير الجنان حنينها
وكأنما طفقتْ تُواصل أدمعي ... يومَ النوى وقد انهمى مُهراقُها
أعجِبْ بأجسامٍ بدائعَ خالفت ... في خَلْقها وتنكرت أخلاقُها
أفواهُها أوساطها، وعيونُها ... بجنوبهنّ كثيرةٌ آماقُها ( [11] )
ولأبي طالب الحسين بن علي الأنطاكي (القرن الرابع الهجري) في الناعورة نصان متقاربان، اعتمد فيهما على من سبقه تصويرًا وتعبيرًا. وقد نلحظ فيهما قدرًا من الإبانة، وقدرًا من التفصيل فالناعورة تسير.. وهي ثابتة في مكانها.. فلا براح، وهي على الدوام تستعطي وتعطي، وتنشر محاسنها نفحة طيبة، وشجرًا وظلًا، وفواكه دانية القطوف. يقول: ... يسري فيمنعه السُّرى أن يبعدا
بمشمّر في السير إلا أنه