ويلاحظ أن ما قدمه ابن ظافر الأزدي في كتابه يتوافق مع ما ذهب إليه من إيراد النصوص التي يغلب عليها الارتجال كما قلنا آنفًا، فما جاء مرتجلًا أو على البديهة، إجازة أو تمليطًا (ضرب من الإجازة أو المساجلة) كان أدعى لوقدة الذهن وحدّة الخاطر من القول الذي يأتي بعد روية وإعمال فكر. والمرتجل أو الباده كما يقول ابن ظافر الأزدي يقنع منهما بالرديء اليسير، ولا يقنع من المروي إلا الجيد الكثير [انظر ص7] . ولذلك كانت شواهده الشعرية الخاصة بالنواعير مصطنعة، يبدو عليها أثر التكلف، وشتان بين الأثر المطبوع والأثر المصنوع على حين كانت مقدماتها النثرية ساطعة في بيانها بالرغم من زخارفها البديعية ومحسناتها اللفظية، لأن هذه الزخارف هي من سمات العصر. وهذا النقد لا يمس شواهد الكتاب الأخرى إلا في مواضع قليلة.
يقول ابن ظافر الأزدي في كتابه بدائع البدائه:
ومررت أنا وهو [يعني القاضي الأعز بن المؤيد] رحمه الله يومًا بدولاب يئن أنين ثكالى فقدت أطفالها، والنواعج أضلت آفالها، ويبكي بكاء صبّ آلمه هواه، وصارمه من يهواه، وفرّق البين بينه وبين محبوبته فراقًا لا يرجى انقطاعه، ولا يمكن استرداد ما سلبه منه ولا استرجاعه، فقلبه قد ملأته أوجاعه، وجفنه قد ضاق مجراه عن دمعه ففتحت به أضلاعه، فقلت:
وساقيةٍ تئنُّ أنينَ ثكلى
فقال: ... كرازمةٍ تحنُّ إلى حُوار
تحنّ ولا تزال تطوفُ عَجلى
فقلت: ... يطوّف باكيًا في رسم دار
غدت تَحكي مُحبًا ذا انتحابٍ
فقال: ... عليه من قوادسِه دَراري
حكت فلكًا لجلْب اللهو دارت