ترى الأزهارَ في ضِحْكٍ إذا ما ... بكى بدموع عين منه ثَرَّهْ
حكى فلَكًا تدور به نجومٌ ... تؤثر في سرائرنا المسرّه
يظل النجمُ يغربُ بعد نجم ... ويطلع بعدما تَجري المجرّه ( [4] )
ويمكن أن نلحظ من خلال استقرائنا لهذه الشواهد الأربعة أن النواعير المقصودة ليست على العاصي. وإنما هي نواعير صغيرة، أقيمت على الآبار وضفاف الأنهار، في بغداد والقاهرة، أو على دجلة والنيل، وهي تشبه النواعير التي تحدث عنها أبو الحسن الشمشاطي في كتابه الأنوار في محاسن الأشعار قبل قرن من الزمن، وكانت أوصاف الشعراء لها متقاربة، وكلهم مجمعٌ على أن الناعورة فلك دائر، وأن قواديسها نجوم. غير أن ابن ظافر الأزدي وصاحبه القاضي الأعز قد أضافا المجرة إلى ذلك الفلك الدائر، وكذلكم الشعراء سوف يزيدون في حديثهم عن النواعير معنى جديدًا كلما تصرمت العصور وتعاقبت الأجيال، ولكل عصر وجيل إبداعه وإمتاعه. ... رُعْنَ الشجيَّ بأنّةٍ ونُواحِ
وربما كان أحمد شوقي أمير الشعراء في القرن الماضي أول من ذكر هذه النواعير في شعره، ويسميها"السواقي"، وهو وحده من أشار إلى أن هذه السواقي تدور بقوة الحيوان الذي كُفَّ بصره بيد الإنسان حتى لا يرى الدنيا تدور حوله من كثرة دورانه، والنير في عنقه. يقول شوقي في قصيدته"الربيع ووادي النيل":
وجَرت سواقٍ كالنوادب في القرى
الشاكياتُ وما عرفن صبابةً ... الباكياتُ بمدمعٍ سحّاح
من كل باديةِ الضلوع غليلةٍ ... والماءُ في أحشائها.. مِلْواحِ
تبكي إذا ونيتْ وتضحك إن هفت ... كالعِيس بين تنشُّطٍ ورزاحَ
هي في السلاسل والغلولِ.. وجارُها ... أعمى ينوء بنيره الفدّاح ( [5] )
وقد وجدت لشوقي قصيدةً أخرى يحن بها إلى مصر وهو في الآستانة، مطلعها: ... هل عندكنّ عن الأحبابِ من خبرِ؟
بالله يا نسماتِ النيل في السَّحرِ
وفيها يصف"ساقية"بجوار الهرم بقوله: ... على الجزيرة بين الجسر والنَّهَرِ
ذكرتُ مصرَ ومن أهوى ومجلسَنا
اليومُ أشْيبُ والآفاقُ مذهبة ... والشمس مصفرة تجري لمنحدر