والنخل متشحٌ بالغيم تحسبه ... هِيفَ العرائس في بيضٍ من الأزُر
وما شجانيَ إلا صوتُ ساقيةٍ ... تستقبل الليلَ بين النَّوْح والعبر
لم يترك الوجدُ منها غيرَ أضلعها ... وغيرَ دمع كصوب الغيث منهمر
بخيلة بمآقيها فلو سئلت ... جفنًا يعيرُ أخا الأشواق لم تُعِر ( [6] )
3ً ـ نواعير حماة في شعر ابن نباتة المصري: ... تعرفُ فيه نضرةَ النعيم
عاش ابن نباتة المصري بين عامي 686 ـ 768هإبان فترة حكم سلاطين المماليك البحرية، وقد وفد إلى حماة أيام حكم الملك المؤيد إسماعيل بن علي المشهور بأبي الفداء 712 ـ 732هوحكم ابنه الملك الأفضل 732 ـ 742ه، وقال فيهما أجمل قصائده التي عرفت باسم (( المؤيدات ) )و (( الأفضليات ) )، كما قدّر له أن يتمتع بطبيعة حماة الجميلة ونهرها العاصي ونواعيرها الشادية. ولعل أسعد أيام عمره المديد كانت في حماة، فقد حظي عند أبي الفداء ونجله الأفضل حظوة بالغة، ونال من الهبات والصلات ما لم ينله شاعر في عصره، وعاش في بلاطهما عيشة راضية لم يعرف فيها ذائقة العسر أو غائلة الهوان.
ومن يقرأ ديوان ابن نباتة الضخم أو يطلع على شيء من رسائله النثرية فسوف يلحظ أثر حماة واضحًا في شعره ونثره على حد سواء، وبخاصة في قصائده الطوال أو في مثانيه ومثالثه والسبعة السيارة التي برع في صياغتها براعة فائقة، وكانت التورية هي السمة الغالبة على سائر أعماله الأدبية، وأظهر فيها من فنون الاقتدار والابتكار ما جعله سيدًا في هذا اللون البديعي، وهو الذي مشت ملوك الأدب قاطبة بعد القاضي الفاضل تحت أعلامه طبقًا لما يقوله ابن حجة الحموي في خزانة الأدب. من ذلك قوله يصف حماة في الزمن الوسيم من أيامه الخضيلة الجميلة ونضرة النعيم في واديها الرحيب الخصيب:
أحسنْ بوجه الزمن الوسيمِ
وحبذا وادي حماةَ الرحبُ ... حيث زهى العيشُ به والعُشُبُ
أرضُ السناء والهناء والمرحْ ... والأمن واليُمنِ ورايات الفرح
ذات النواعير سقاهُ التربُ ... وأمّهات عصْفه والأبُّ