تعلمتْ نوح الحمام الهُتفِ ... أيام كانت ذات فرع أهيفِ
فكلّها من الحنين قلبُ ... لاسيما والماء فيها صبُّ
لله ذاك السفحُ والوادي الغَردْ ... والماءُ معسولُ الرُّضاب مُطَّردْ
يصبو لها الرائي فكيف السامعُ ... ويحمدُ العاصي فكيف الطائعُ؟
ومن المؤكد أن ابن نباتة المصري في حديثه عن نواعير حماة قد استفاد من دلالات من سبقه من الشعراء الذين وصفوا النواعير أو تغنوا بفلكها الدائر ودمعها الماطر.. وحنينها وأنينها، وأضاف إليها شيئًا جديدًا بفضل إتقانه للصنعة البديعية التي مكنته من افتراع الألفاظ واختراع المعاني وتوليد ما هو ملائم للمظاهر الحسية والإثارية التي تقدّمها النواعير. ... في حالة التشبيه بثَّ عجائبِ
ولقد شبّه بعض الشعراء الذين سبقوا ابن نباتة الناعورة بالفلك الدائر كما رأينا من قبل، أمثال ابن الرومي وأبي بكر الصنوبري وغيرهما ممن كان مولعًا مستهامًا بمناظر النواعير الخلابة.. وسحرها المعجب المطرب. وجاء ابن نباتة ليزيد هذا المعنى قدرًا من التزويق والتلوين وبخاصة عندما يجعل كواكب المجرة مذنباتٍ حسناوات تجرّ وراءها ذوائبها كأنها ذيول ذات أضواء سنية تذكرنا بالخيوط المائية التي تنساب وتتناثر من صناديق الناعورة وهي تدور فتزيد ما حولها ألقًا لا يخبو.. وجمالًا ليس يزول.. وتدع خيال المتلقّي حرًا طليقًا في المدى الواسع والأفق الرحيب. يقول ابن نباتة:
ناعورة بمنازل البحر اقتضتْ
فلك يدور على المَجرّة مطلقًا ... أسنى الكواكب وهي ذاتُ ذوائب ( [7] )
وربما ذهب ابن نباتة في التشبيه مذهبًا أغرب وأعجب .. عندما يجعل الناعورة ذات قدرة على حماية ما حولها من الغياض والرياض بسيفها وترسها، وهما وسيلة الدفاع للبطل. يقول ابن نباتة: ... كأنها من فلَك الشمس
يا حبذا في الحُسن ناعورةٌ
تحمي حمى الروضات من مائها ... وشكلها بالسيف والترس ( [8] )