فالترس المدور يحكي الناعورة في شكلها الدائري، والسيف الضارب يحكي الماء المنسكب من قواديسها، وهذا التشبيه لم أقع على نظير له في غرابته، وقد عوّدنا ابن نباتة أن يقدم لنا دائمًا في تشبيهاته البيانية كل ما هو غريب، ولكنه لا يخرج عما هو ممكن أو محسوس. ومن التشبيهات المألوفة تشخيص الناعورة، فهي ذات جسم وقلب، والجسم متعب منهوك لكثرة ما يتحرك ويحمل من أثقال. أما القلب فطيّب.. لا يسأم ولا يبرم.. ولا ينفك عن البر والإحسان، وهذا القلب النابض بالحياة هو الذي يمنح الناس عيشًا كريمًا.. كما يمنح الأرض الخضرة والنضرة. يقول ابن نباتة: ... للماء مُنشي العيش والعشب
أعجب لها ناعورةً.. قلْبها
تعبانة الجسم.. ولكنها ... كما ترى طيبةُ القلب ( [9] )
وقد يصور لنا ناعورة في روضة وفقًا لأسلوبه في التشخيص، ويستخدم التورية برشاقة وناقة، فهو يورّي باسم"جعفر"واسم"ربيع"، ونحن نعرف أن الجعفر لغة هو النهر والربيع اصطلاحًا فصل من فصول السنة، والمحدّثون يروون الحديث الشريف عن فلان وعن فلان، وابن نباتة في هذه اللعبة اللفظية يوظف التورية في أحسن حالاتها.. تاركًا قارئه أو سامعه يعجب من قدرته البديعية، وهو إمام الصنعة فنًا وإبداعًا. يقول ابن نباتة: ... عن جعفر يروي الهناءَ ربيعُها
أحسنْ بها ناعورةً في روضة
هذا.. وليس يُعدّ موجُ دموعها ... وتُعدّ من فرطِ السقام ضلوعُها ( [10] )
ويأخذ ابن نباتة البيت الثاني ويزيده إيضاحًا وجلاء مستخدمًا لغة الحوار، حيث نجد الناعورة حزينة سقيمة تبحث عن قلبها الضائع، في حين تبدو دموعها منسكبة على جسمها الناحل. يقول ابن نباتة: ... وأضلعها كادت تعدّ من السقْم:
وناعورة قالت وقد ضاع قلبها
أدور على قلبي لأني أضعتَه ... وأما دموعي فهي تَجري على جسمي
ويروق لابن نباتة في موضع آخر أن يوزع محاسن الناعورة على الأسماع والأنظار وهي تدور.. وتبكي: ... على ناظر وعلى سامع
وناعورة قَسَّمت حسنها