وقد ضاع نشر الربى فاغتدت ... تدور وتبكي على الضائع ( [11] )
ولا يخفى ما يحمل الفعل"ضاع"من معنى الضياع والضوع في آن معًا، وهذا من مستلزمات التورية، أعني المعنى القريب وهو"الضياع"والمعنى البعيد وهو"الضوع"، والضياع معروف، والضوع هو انتشار رائحة الطيب، وهذا الاستخدام يتيح للقارئ تقليب معنى البيت على أكثر من وجه إن شاء، ويفتح أمامه باب الاحتمالات. ومثله في تعدد المعاني في البيت الواحد قول ابن نباتة: ... بلسان ماءٍ.. والحديثُ شجون
أحببْ بها ناعورة كم حدّثت
حنّت فباطنها قلوبٌ كله ... وبكت فظاهرُها الجميع عيون ( [12] )
وكما كان ابن نباتة مولعًا بالتورية.. بارعًا في استخدامها، كذلك كان مولعًا بالإيداع وهو أن يودع بيتًا من شعر غيره أو نصف بيت أو ربع بيت بعد أن يوطئ له توطئة تناسبه بحيث يظن السامع أن البيت بأجمعه له، وكان ابن نباتة في هذا اللون من البديع نسيج وحده طبقًا لمقولة ابن حجة الحموي في خزانته. فقد عمد في إحدى مثانيه عن الناعورة إلى إيداع نصف بيت من شعر المتنبي وهو قوله [أنا الغريق فما خوفي من البلل] وبيتا ابن نباتة هما: ... كحالة الصبّ بين اليأس والأمل
يا ربّ ناعورة غنت لنا وبكت
قالت.. ودمعُ أخي العشاق يتبعها: ... [أنا الغريق فما خوفي من البلل] ( [13] )
وحالة الناعورة هنا في غنائها وبكائها كحالة الصب العاشق.. إنه يتقلب بين اليأس والأمل، فهو يبكي تارة عند الإحباط، ويغني أخرى عند الاغتباط. ... إلى القضب شوقًا كالحماة تسجع
ثمة ثلاثيتان متقاربتان في معناهما، يتحدث في الأولى عن مشاركته للناعورة في البكاء والحنين، فهي تحن إلى ماضي شبابها أيام كانت عودًا زاهرًا في بستان، وهو يئن من سقام الغرام والبعد عن محبوبته.. فيشكو لها، ولا بدّ للمفطور من سامع ذي مروءة يبثّه شكواه لعله يجد عنده حسن المواساة أو طيب السلوى، أو يتوجع مثله على ما أصابه. يقول ابن نباتة:
وناعورة كانت قضيبًا وأصبحت