ولا ندري علام استند الكاتب في مثل هذا الحكم، فكأنّه يستخفّ بعقل القارئ، لأنّ اكتساب اللغة لا يشترط فيه دَرْسُ القواعد وتعلّمها، وإلاّ فكيف يكتسب الطفل لغته، وكيف يكتسب العامل الأميّ غير لغته حين يقيم في بلدٍ آخر.
وإن سلّمنا بما يقول فكيف نفسّر انتشار العربيّة بعد الفتوح الإسلاميّة خارج جزيرة العرب على ألسنة من دخلوا الإسلام من غير العرب حتى قبل ظهور القواعد.
4-إنّ هذه القواعد لم يضعها العرب"لأنّ سيبويه كونه فارسي الأصل قام بوضع قواعد لأمثاله في ذلك الوقت كي لا يلحنوا في لفظ كلمات اللغة العربيّة" (7) .
ومثل هذا الكلام تشتمّ منه رائحة العصبيّة المقيتة، ولا يصدر اليوم إلاّ عمّن لا يريد الخير لأمّته، وإلا فكثيرٌ من علماء اللغة والنحو والطبّ والفلسفة والدين والاجتماع وكثيرٌ من أدبائنا وشعرائنا ليسوا في أصولهم عربًا، فهل ننسلخ عنهم ونتّبرأ من إبداعهم وإن كان بالعربيّة! ألم يذب هؤلاء في معين الثقافة العربيّة، فأصبحوا جزءًا من هذه الأمّة وتراثها!.
والفرق بين الكاتب الذي يبدي حرصه على عروبته وعروبة لغته وبين هؤلاء العلماء (الأعاجم) = أن الأوّل شديد الهزء بلغته وقواعدها، بل تراه يمسك بتلابيب أشعر شعرائها قديمًا ليسخر من شعره ومن صوره الفنيّة (8) ، أمّا هؤلاء الذين يهاجمهم فقد تغنّوا بالعربيّة وبُهروا بها، ورأوا فيها سحرًا، ألم يستمع إلى ابن جنّي- وهو العالم اللغوي الروميّ الأصل الذي بهرت آراؤه في اللغة المعاصرين- وهو يقول:"إنني إذا تأملتُ حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدتُ فيها من الحكمة والدقّة والإرهاف والرقّة ما يملك عليّ جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر" (9) .