ثمّ إنّنا لو سلّمنا بما يدعو إليه المؤلّف، وهو أن يكون المبتدأ فعلًا لآل الأمر إلى نتيجة حتميّة، وهي أنّ هذا المبتدأ (الفعل) لن يكون بحاجة إلى خبر، لأنّ الفعل في حدّ ذاته خبر لأنّه مُحَدَّث به، ثمَّ إن هذا المبتدأ (الفعل) لا بدّ أن يكون له فاعل- ولا أدري إن كان المؤلف يقبل ذلك أم أنه سيفرغ الفعل من فاعله أيضًا. ومهما يكن فسوف ننتهي إلى جملة فعليّة، تسمّى عنده مبتدأ وخبرًا.
ونسأله بعد ذلك: إذا كان الفعل مبتدأ فأين الخبر؟ ثمّ كيف نسميّه مبتدأ وهو يلبس ثوب الخبر؟
وإذا كان المبتدأ فعلًا فما الحكمة من استعمال العرب الجملة الاسميّة في كلامهم وما الفرق بين الجملة الاسميّة والفعليّة... أسئلة تترك للمؤلف وحده أن يجيب عنها.
5-لماذا يعلّق النحاة شبه الجملة بمحذوف تقديره"كائن"أو"موجود"؟
عندما نقول"الطفل في المنزل""لماذا لا يكون الجارّ والمجرور متعلقين بخبر محذوف تقديره"مسجون"مثلًا أو"حزين"أو"سعيد" في البيت، أو غير ذلك من التأويلات التي تبقى احتمالاتها قائمة مثل"كائن"أو"موجود" (22) ."
كذا قال، وهو كلام لا تستسيغه حتى العوامّ، وفيه دلالة بيّنة على أنّه لا يعرف من أساليب العربيّة في الحذف وطرائق تعبيرها شيئًا:
وبيان ذلك أن من عادة العرب أن يحذفوا من الجملة ما هو مفهوم عند السامع، ولا سيّما إنّ كان هذا المحذوف دالاًّ على مطلق الوجود، ولذا نراهم يقولون (لا شكّ في ذلك) فيفهم السامع بلا عناء أنّ المراد: لا شك (موجود) في ذلك. ويقول العربي: الرجل في الدار، فيفهم السامع أيضًا أن المراد: (موجودٌ) في الدار، وقد سمّى النحاة هذا الخبر الملتَزم حذفه (كونًا عامًّا أو مطلقًا) ، لأنّه لا يتعلّق بذكره فائدة، ومنه قول جرير:
لولا الحياء لهاجني استعبارُ
فحذف خبرَ المبتدأ بعد (لولا) لأنّه كونٌ مطلق، ولو قال: لولا الحياء موجود, لكان حشوًا لا فائدة فيه.