فهرس الكتاب

الصفحة 20718 من 23694

ولو تأملنا هذه الجملة الكبرى لرأينا أنها في الأصل جملة واحدة صغرى، لا مركبة، وهي: شوارعُ المدينة نظيفة، لكن المتكلّم قدّم من أجزائها ما هو موضع اهتمام عنده، وهو"المدينة"، وتقديمُ ما يعتقد المتكلمُ أهميته فاشٍ في اللغة الإنسانية لم تتفرد به العربيّة، فأصبحت الجملة"المدينة شوارع نظيفة"، وهي جملة مفككة لا رابط بين أجزائها، فأُصلحت بالضمير (ها) ، فتداخل إسنادها، وسمّاها النحاة جملة كبرى توالى فيها مبتدآن.

فالمسألة إذن لا تقوم على سبقٍ لفظي، بل هي علاقات إسناديّة قصد إليها المتكلّم، وليس للنحويّ إلاّ أن يصفها.

وحتّى لو سلّمنا بشرط التقدّم أو السبق الذي أراده الكاتب -وهو سبق لفظيّ شكلي- فإنّه متحقق في هذه الجملة الكبرى المكوّنة من جملتين، فكلّ من المبتدأين فيها هو المتقدم في جملته، والجملتان هما:

أ-المدينة شوارعها نظيفة.

ب-شوارع المدينة نظيفة.

4-لماذا المبتدأ اسم وليس فعلًا؟

"وماذا سيكون الفرق؟ أمورٌ لا يصح المنطق إلاّ برفضها من أساسها أصلًا" (21) ولسنا ندري عن أي منطق يتحدّث، بل لسنا ندري إن كانت القواعد غايته أم اللغة نفسها، ولا يسعنا إلاّ أن نذكّره مرّة أخرى أنّ المبتدأ في كلام العرب هو ما يجري الحديث عنه، ولذا سمّاه النحاة مسندًا إليه أو محكومًا عليه، أو مُحدَّثًا عنه، وألفى هؤلاء بالاستقرار أنّ هذه الوصاف لا تكون إلاّ للاسم، أمّا الفعل فقد قادهم الاستقراء أيضًا إلى أنّه الجزء الذي يحمل الفائدة ويُخبر به عن المبتدأ أو يُحكم به عليه، فإذا قيل"زيد قام"فإننا بذلك إنّما نخبر عن (زيد) بالقيام، فزيد هو المبتدأ لأنّه المخبر عنه، و (قام) هو المخبر به وهو محل الفائدة ولذا سميّ خبرًا، ولا أظن الفرق بينهما يخفى على ذي بصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت