اعترض الكاتب على مسألة تعدّد الخبر، لأنّ الخبر الأوّل"قام بالمهمّة""والاسم بعده فقد وظيفته، فلم يعد يخبر عن المبتدأ" (16) .
ولا وجه لهذا الاعتراض، وهو اعتراضٌ قديم قال به بعض النحاة (17) ، لأنّ الخبر إنّما هو حكمٌ يطلقُ على المبتدأ، ومن المقبول عقلًا أن يطلق على الشيء أكثر من حكم (18) ، فنقول مثلًا: (بلدنا زراعيٌّ، صناعيّ) و (عنترةُ فارسٌ شاعر) .
ثمّ إنّ الخبر وإن تعدّدَ لفظًا يظلُّ واحدًا من جهة المعنى (19) ، فقولنا (بلدنا زراعي صناعي) أي: بلدنا جامعٌ لصفات مختلفة، وكذا المثال الذي بعده.
3-لا يجوز أن يتوالى مبتدآن:
فإذا قلت"المدينة شوارعها نظيفة"لم يجز لك أن تدّعي أن"المدينة"مبتدأ، وأنّ"شوارعها"مبتدأ أيضًا،"إذ كيف نسمح لأنفسنا أن نسميه [أي شوارع] مبتدأ ولم نبدأ به" (20) .
ومثلُ هذا الكلام ينمّ عن ضعف الكاتب في فهم طبيعة الجملة الاسميّة، والعلاقة بين أجزائها، لأنّ المبتدأ في العربيّة لا يشترط فيه التقدم أو السبق دائمًا وإن كان هو السابق من حيث المرتبة، بل هو المسند إليه الذي لم يتقدّمه عامل، ويؤلّف مع الخبر جملة اسميّة.
والجملة التي توقّف عندها الكاتب هي من هذا النوع، إلاّ أنّها -في مصطلح النحاة- جملة كبرى تداخل إسنادها، ويعنون بالكبرى تلك الجملة التي يكون صدرها مبتدأ أو ما أصله مبتدأ، وخبرها جملة لا مفرد، فيتحصّل فيها حينئذٍ إسنادان، لا إسنادٌ واحد.
ففي المثال السابق أسند المتكلّم"نظافة الشوارع"إلى"المدينة"، فالمدينة مسندٌ إليه مبتدأ، ثمّ أسند النظافة إلى الشوارع، فالشوارع أيضًا مسندٌ إليه، مبتدأ.